لوند حسين*
تُمثّل مجازر مطلع القرن العشرين في المشرق والأناضول، ولا سيما أحداث عام 1915 المعروفة في الأدبيات السُريانية والأرمنية باسم «سيفو»، واحدةً من أكثر الصفحات دمويةً وتعقيداً في التاريخ الحديث؛ فقد تداخلت فيها عوامل الحرب العالمية الأولى، وصراعات الإمبراطوريات، وانهيار البُنى السياسية التقليدية، لتُنتج موجاتٍ واسعة من العُنف الجماعي استهدفت جماعاتٍ سُكانية مُتعددة، من بينها الأرمن والسُريان/الآشوريون واليونانيون الأرثوذكس، كما طالت في المُقابل مجموعاتٍ مُسلمة من الكُرد والتُرك في سياقاتٍ موازية، خصوصاً في مناطق التماس مع الإمبراطورية الروسية.
ورغم كثافة الدراسات التي تناولت هذه الأحداث، لا تزال السرديات التاريخية تُعاني من اختزالٍ إشكالي يقوم على تعميم المسؤولية على الشعوب بأكملها، بدلاً من تحليلها ضمن أُطرها السياسية والعسكرية؛ إذ تُنسب الجرائم أحيانًا إلى «الكُرد» أو «الأرمن» أو «السُريان» ككياناتٍ مُتجانسة، متجاهلةً حقيقة أن هذه الشعوب كانت نفسها منقسمةً، ومُخترقةً من قبل سلطاتٍ إمبراطورية (روسيا وتُركيا)، وميليشيات غير نظامية، تحركت ضمن سياقاتٍ مُعقدة من التحالفات والإكراهات.
برأيي الشخصي أنَّ المسؤولية عن المجازر لا يمكن تحميلها للشعوب بوصفها كياناتٍ جمعية، بل تقع أساساً على عاتق الأنظمة السياسية، والقيادات العسكرية، والبُنى السلطوية التي أنتجت العنف وشرعنتهُ؛ وفي هذا الإطار علينا تفكيك ثُنائية «الضحية/الجلاد» الأحادية، من خلال تحليلٍ مقارن للانتهاكات التي تعرّضت لها الجماعات المسيحية داخل الدولة العثمانية، والانتهاكات التي طالت المسلمين في مناطق الصراع مع الإمبراطورية القيصرية الروسية، مع التأكيد على أن الاعتراف المُتبادل بالمُعاناة من قبل الكُرد والسُريان والأرمن هو شرطٌ أساسي لتحقيق العدالة التاريخية.
كما يتوجب علينا إعادة توجيه النقاش من منطق الاتهام الجماعي إلى منطق المُساءلة التاريخية العادلة، التي تُميّز بين الشعوب والسُلطات، وبين الضحايا والفاعلين الفعليين، بما يُسهم في بناء ذاكرةٍ مشتركة قائمة على الحقيقة، ويحول دون إعادة إنتاج الكراهية والعداوة والصراعات الحالية، التي قد تُعزز الحقد في عقول أجيالنا القادمة.
نرى على وسائل التواصل الاجتماعي وفي النقاشات العامة، سواءً في الشرق الأوسط أو في بُلدان المهجر، يُختزل هذا التاريخ الإشكالي في سرديات مبسطة وخطيرة:
يُقال إن (الكُرد قتلوا المسيحيين)، أو أنَّ (الأرمن خانوا وقتلوا المسلمين)، أو تُوجَّه اتهامات جماعية للسُريان وغيرهم.
هذا النوع من الخطاب لا يقدّم فهماً موضوعياً للتاريخ، بل يخلق خصومات جديدة؛ فهو يتجاهل حقيقة أساسية:
الشعوب ليست كيانات متجانسة، ولا تتحرك بإرادة واحدة، ولا تتحمل مسؤولية قرارات لمجموعة أو ممارسات لفئات منها.
إن تعميم الجريمة على شعبٍ كامل لا يختلف كثيراً، في جوهره، عن منطق العنف ذاتِهِ الذي أدّى إلى المأساة.
ما تُشير إليه الأدلة التاريخية بوضوح هو أنَّ العُنف في تلك المرحلة لم يكُن عشوائياً بالكامل، بل ارتبط، في جزءٍ كبير منهُ، بقرارات سياسية وعسكرية اتخذتها سُلطات قائمة، سعت إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي وتغييره في ظل الحرب.
وفي الوقت نفسٍهٍ، لعبت القوى الدولية دوراً في تأجيج الصراعات، سواءً عبر التدخُل العسكري المُباشر أو دعم أطراف محلية، مما ساهم في تعقيد المشهد وتحويلِهِ إلى سلسلة من المواجهات المُتداخلة.
ومع ذلك، فإن هذهِ الأبعاد البنيوية غالباً ما تغيب في الخطاب العام، ليُستعاض عنها بلُغة الاتهام الجماعي، التي تنقُل المسؤولية من الفاعل السياسي/السُلطات والحُكام إلى الهوية الجماعية/ الشعوب. نفس هذه الاتهامات مُورست في سوريا بعد سقوط نظام الأسد نهاية 2024، ما أدى لارتكاب مجازر بشعة بحق العلويين في الساحل والدروز في الجنوب السوري.
إن الإقرار بحجم المأساة التي تعرّضت لها الجماعات المسيحية في تلك المرحلة، ولا سيما الأرمن والسريان/الآشوريين، هو ضرورة أخلاقية وتاريخية؛ وكذلك الأمر بالنسبة للاعتراف بمعاناة المسلمين الذين وجدوا أنفسهم في قلب صراعات دموية في الجبهات الشرقية.
لكن الاعتراف لا يكتمل إذا تحوّل إلى أداة لإدانة جماعية.
فالإنصاف الحقيقي يقوم على التمييز بين:
- الضحايا بمختلف انتماءاتهم
- والحُكام/السُلطات الذين اتخذوا قرار الحرب واستهداف المدنيين.
هذا التمييز ليس ترفاً فكرياً للالتفاف على بعضنا البعض، بل شرطٌ أساسي لأي نقاشٍ جاد حول العدالة التاريخية.
الطريقة التي نتعامل بها مع هذا الماضي المأساوي لا تؤثر فقط على فهمنا للتاريخ، بل على حاضرنا ومُستقبلنا أيضاً؛ فإمّا أن تتحول الذاكرة إلى مساحة مُشتركة للاعتراف والتعلُم، أو إلى ساحة لتبادُل الاتهامات.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن المجتمعات التي تستند إلى سرديات قائمة على التعميم واللوم الجماعي، تبقى أسيرة صراعاتها، بينما تملك المجتمعات التي تفكك ماضيها بصدق فرصة لبناء مستقبل مختلف.
ليس الهدف من إعادة قراءة هذه المرحلة تبرئة أحد، ولا إدانة آخر بشكل انتقائي، بل الوصول إلى فهم أكثر عدلاً وانصافاً.
فالتاريخ، حين يُختزل في شعارات، يفقد معناه، وحين يُستخدم لتغذية الكراهية، يفقد قيمتهِ.
إن الخطوة الأولى نحو عدالة حقيقية لا تبدأ بإصدار الأحكام على الشعوب، بل بالاعتراف بأن الجريمة كانت، في جوهرها، نتاج قرارات وسياقات سياسية للسُلطات الحاكمة، لا تعبيراً عن طبيعة جماعية لشعبٍ بعينهِ.
وفي عالم لا يزال يعاني من صراعات الهوية، يبقى التحدي الأكبر هو هذا:
كيف نحفظ الذاكرة دون أن نحولها إلى أداة لصراعٍ جديد ومُستمر؟
ألمانيا: 29 نيسان 2026
* كاتب وصحفي كُردي