بين ذكرى المؤتمرات وغياب الثقة: لماذا لا تُنقذ الاتفاقات السياسية القضية الكردية في سوريا ؟

شادي حاجي
الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل القضية الكردية داخل سوريا . لذلك ، فإن أي محاولة للخروج من المأزق دون معالجة هذه الجذور تبدو كمن يبدّل العناوين ويترك المضمون على حاله .
الحديث عن العودة إلى مخرجات مؤتمر سابق ، مثل مخرجات نيسان 2025 ، يأتي اليوم مع مرور عام على مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي الذي عُقد في 26 نيسان 2025 في قامشلو ، وقد يبدو مغرياً باعتباره نقطة انطلاق جاهزة . لكن التجربة السياسية القريبة تُظهر أن المشكلة نادراً ما كانت في صياغة الاتفاقات ، بل في غياب القدرة أو ربما الإرادة على تنفيذها . وهنا يبرز السؤال الجوهري : 
ما الذي سيجعل هذه المرة مختلفة ؟ 
ما الضمانات ؟ 
ومن سيُلزم الأطراف بها ؟
في المقابل ، تبدو الدعوة إلى مؤتمر قومي كردي عام فكرة جذابة من حيث الشكل ، لكنها محفوفة بالمخاطر . فالمؤتمرات الواسعة ، حين تُعقد دون تحضير فعلي وتفاهمات مسبقة ، غالباً ما تتحول إلى منصات لعرض الخلافات بدلاً من حلها . وبدل أن تكون خطوة نحو التوحيد ، قد تعمّق الانقسام وتكشفه على الملأ .
ما يغيب عن كثير من هذه الطروحات هو أن الحلول الواقعية لا تبدأ من القاعات الكبرى ، بل من الغرف المغلقة . حوار مصغّر وجاد بين القوى الأساسية السياسية والعسكرية ، قد يكون أكثر جدوى من مؤتمر صاخب . حوار يركّز أولاً على ما يمكن الاتفاق عليه : الحقوق السياسية والثقافية ، شكل اللامركزية ، العلاقة مع الدولة السورية ، وحدود الارتباط بالقوى الدولية .
الأهم من ذلك كله هو الانتقال من منطق “ الإعلان السياسي ” إلى منطق “ آلية التنفيذ ” . فكل اتفاق بلا جدول زمني واضح ومحدد ، ولجنة متابعة فاعلة ، وآلية لحل النزاعات ، هو مجرد بيان آخر يُضاف إلى أرشيف الإخفاقات . التجارب السابقة لم تفشل بسبب نقص الأفكار ، بل بسبب غياب الأدوات التي تحوّلها إلى واقع ملموس .
ولا يمكن تجاهل العامل الإقليمي ، الذي شكّل ولا يزال أحد أبرز أسباب الانقسام . صحيح أن فصل المسار الكردي الداخلي عن الصراعات الإقليمية ليس مهمة سهلة ، لكنه شرط ضروري لأي تقدم حقيقي . فالقضية التي تُدار من الخارج أكثر مما تُدار من الداخل ، تبقى رهينة توازنات لا تخدم أصحابها بالضرورة .
أخيراً ، لا بد من إعادة الاعتبار لدور المجتمع المدني والنخب الثقافية والأكاديمية الكردية ، لا بوصفهم ديكوراً سياسياً ، بل كقوة ضغط ومساءلة . فالشارع الكردي نفسه لم يعد يمنح ثقته بسهولة ، وقد تعب من إعادة تدوير الوجوه والشعارات ذاتها .
الخلاصة بسيطة ، وإن كانت قاسية : المشكلة ليست في اختيار مؤتمر قديم أو الدعوة إلى إقامة آخر جديد ، ولا في استحضار ذكراه بعد عام ، بل في غياب الإرادة السياسية لتقديم تنازلات متبادلة وبناء حد أدنى من الثقة ووجود شخصيات قيادية قادرة على تطبيق وتنفيذ وترجمة ماتتم التوافق عليه . من دون ذلك ، ستبقى كل المؤتمرات ، مهما اختلفت أسماؤها مجرد عناوين جذابة تخفي عجزاً مزمناً عن الفعل .
وإلى مستقبل أكثر نضجاً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…