د. أحمد بركات
في السادس والعشرين من شهر نيسان الجاري. تحل الذكرى الأولى لانعقاد كونفرنس “وحدة الصف والموقف الكردي” لقد جاء انعقاد هذا الحدث كونه الأول في تاريخ الحركة السياسية الكردية، بعد سنوات من الصراعات الحزبية والانقسامات والانشقاقات التي طالت الحركة، وتكاثر أحزاب وجمعيات ومنظمات مختلفة خلال سنوات الأزمة في سوريا.
لقد التئم هذا الكونفراس بعد التغييرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة عامة، وسوريا خاصة بعد سقوط نظام البعث، واستلام هيئة تحرير الشام لمقاليد الأمور في البلاد، وكذلك الاتفاق الذي جرى بين رئيس السلطة الانتقالية السيد أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي في العاشر من آذار عام 2025 مما خلق تحولات في الساحة الكردية، ما استدعى ضرورة توحيد الصف الكردي لمواجهة التطورات التي قد تشهدها الساحة السورية والكردية على حد سواء.
على الرغم من أن الاجتماع الذي صادق على الرؤية السياسية الذي كان شكليا واستعراضيا، بسبب التباين في وجهات نظر الأطراف الكردية. كالمجلس الوطني الكردي الذي تمسك بمبدأ المناصفة والمحاصصة مع PYD مرتكزا في ذلك على اتفاقية دهوك عام 2014 بين المجلس الوطني الكردي وحركة المجتمع الديمقراطي، آنذاك.
يمكن القول رغم كل هذه المقدمات والعراقيل التي سبقت التئام الاجتماع، وأثناءه، وما أعقبه. إلا أن الكرد استبشروا خيرا بأنه في النهاية تم الاتفاق على عنوان موحد للشعب الكردي.
كما انبثق عن الكونفرنس وفد كردي مشترك برؤية سياسية مشتركة ومخول بالتحرك سواء على المستوى الوطني السوري أو على المستوى الدولي، إلا أن ما حصل خيب تلك الآمال والتوقعات التي علقها الكرد على هذا الوليد الجديد المتمثل بالوفد.
فالعراقيل والصعوبات التي واجهت عمل الوفد، كإصرار الحكومة الانتقالية والتحالف الدولي لمحاربة داعش بالضغط على قسد، للتسريع في تنفيذ عملية الدمج العسكري مع هياكل الدولة، وأن الأمور الأخرى سيتم بحثها لاحقا. الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قيادة قسد، إذ كان من المفترض العمل على جميع المسارات معا: السياسي والأمني والإداري، والتركيز على حقوق الكرد القومية.
في المقابل، لم يكن المجلس الوطني الكردي يعتبر نفسه معنيا بعملية الدمج، واعتبرها من مهام قسد والإدارة الذاتية، واتجه للبحث عن قنوات اتصال مع الإدارة الانتقالية منذ سقوط النظام خارج سياق الاجماع الكردي أو الوفد الكردي المشترك. لذا لم يعطِ الأهمية لتفعيل الوفد الكردي، وكثيرا ما كان يقاطع اجتماعات الوفد سواء مع الفرنسيين أو في اللقاءات الروتينية، ولم يطرح أسباب ذلك في الاجتماعات بل كان يلجأ إلى حل أية مشكلة مع السيد مظلوم عبدي دون أن يأبه لرأي بقية أعضاء الوفد، بحيث وصل بهم الأمر إلى رفض إصدار بيان بخصوص المرسوم /١٣/ و الأوضاع التي كانت تمر بها المنطقة خاصة بعد التصعيد العسكري والمواجهات التي بدأت من حلب وصولا إلى محافظة الحسكة، ما أدى عمليا إلى تعطيل دور الوفد وهو ما تتحمل مسؤوليته الأطراف المعنية، في تجاهل واضح للمصلحة القومية الكردية العليا.
واليوم يجري الحديث عن تشكيل مرجعية كردية، وهي بتصورنا ضرورة وطنية وقومية تمليها ظروف المرحلة والتطورات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة. لكن المجلس الوطني الكردي، بحسب ما يتم تداوله، لايزال يصر على مبدأ المناصفة 50/50. هذه العقلية لن توصلنا بالتأكيد إلى بناء مرجعية شاملة تضم مختلف القوى والفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية والشبابية والنسوية. فالمرجعية التي يطمح إليها الكرد يجب أن تأتي عبر مؤتمر وطني شامل يشارك فيه كل مكونات المجتمع الكردي على أن تنبثق عنه رؤية سياسية واقعية، تأخذ بعين الاعتبار التطورات الإقليمية والوطنية السورية.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن عقلية الإقصاء التي يحاول البعض ممارستها لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام، ولن تخدم وحدة الموقف الكردي أو تحقيق حقوقه القومية.
كما أن عملية الدمج التي تجري اليوم ينبغي ألا تختزل في عدة مناصب ووظائف إدارية أو عسكرية رغم أهميتها، حيث يتم التنافس عليها من قبل PYD وENKS في الوقت الذي يجب أن يراعى في عملية الدمج الخصوصية القومية للمناطق الكردية، والحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا، التي يستوجب تحويلها إلى سياقات دستورية.
فالعمل بروح الشراكة والانفتاح والانطلاق من المصلحة الوطنية والقومية هو الطريق الوحيد لبناء مرجعية جامعة. وإن استنساخ التجارب الفاشلة السابقة، كاتفاقات هولير أو دهوك والهيئة الكردية العليا، والمرجعية السياسية التي فشلت بسبب السياسات المبنية على آلية التعطيل أو ما يمكن تسميته بالنصف المعطل بسبب المحاصصة لن تقود إلى نتائج تلبي تطلعات شعبنا
لذلك، فالمطلوب اليوم هو إجراء مراجعة شاملة ونقدية لتجارب السنوات الماضية، واعتماد سياسات جديدة تتلاءم مع التطورات الراهنة على الصعيدين الإقليمي والسوري، والابتعاد عن عقلية الإقصاء والتهميش، التي أدَّت إلى تعميق الشرخ في الصف الكردي.