الشعب الكوردي ومعضلة حق تقرير المصير .

شكري بكر

على اتساع كوكبنا الارضي، لا يوجد شعب لم يتعرض لافات مرضية ادت الى تعقيد مسيرته نحو التقدم في العيش السليم المشترك، بما يقوده الى الازدهار والتطور واعلاء قيمة الانسان. فالغالبية من هذه الشعوب ناضلت على جبهتين: جبهة لنيل الحرية، وجبهة لمحاربة الافات المرضية الداخلية. وخلال فترة وجيزة، تمكن بعض هذه الشعوب من نيل حريته والقضاء على تلك الافات، واقامة دول وانظمة سياسية اتاحت الديمقراطية لمشاركة اوسع قطاعات المجتمع في هيكلة الدولة ومؤسساتها، وفي شتى مجالات الحياة السياسية والادارية والاقتصادية والعسكرية، من خلال وضع دساتير ديمقراطية تضمن حقوق جميع مكوناته المجتمعية.

ولم يتبق الا نادرا من هذه الشعوب التي لم تنل حريتها بعد، ولم تتجه نحو العيش السليم المشترك، وربما لكل شعب منها ظروفه الخاصة. ان الشعب الكوردي هو احد هذه الشعوب، وربما يعود ذلك الى ان الظروف الذاتية والموضوعية لم تكن، ولن تكون، في صالحه، او بسبب ما تعرض له من مظالم سياسية وقومية من قبل الدول التي حكمت الجغرافية الكوردية تاريخيا.

والى جانب هذه الظروف، ظهرت افات اخرى انتشرت في الوسط الكوردي، ومن ابرزها افة التعصب الحزبي. فهذا التعصب لا يقتصر على التمسك باسم الحزب وشعاراته وتفضيله على الاطر الحزبية الاخرى فحسب، بل يمتد ليشمل مجمل جوانب القضية الكوردية العادلة والمشروعة، ويجعل منها قضية ثانوية امام الولاء الحزبي. ومن خلال المسيرة التاريخية للحركة السياسية الكوردية، وعلى امتداد الجغرافية الكوردية، جرت عدة محاولات للوحدة والاتحاد بين الاحزاب الكوردية، الا ان اغلبها فشل بسبب ظاهرة “الانا”، سواء كانت شخصية ام حزبية.

وهذا بحد ذاته احد اسباب التفكك الفكري والسياسي والتنظيمي الذي تعرضت له الحركة السياسية الكوردية في المنطقة. فالتعصب الحزبي قد يصل بالبعض الى حد عبادة الفرد، وهو بطبيعته ناتج عن الانانية الشخصية (الانا)، وربما عن خلل نفسي او ارتباط بمصالح ضيقة مع جهات او اجندات خارجية معادية لقضايا الشعب الكوردي، كما هو الحال مع حزبي الاتحاد الوطني الكوردستاني ومنظومة حزب العمال الكوردستاني، اللذين يحاولان فرض الارادة الحزبية على المجتمع الكوردستاني.

ولا شك ان ظاهرة “الانا” تعد من اهم اسباب التجزئة والتفرقة السياسية، وتشكل عائقا امام تحقيق وحدة الصف والموقف الكوردي، سواء على المستوى العام او الخاص.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
متى وكيف يمكن للشعب الكوردي ان يضع حدا لهذه الافة، ويقضي عليها تماما، لتحقيق وحدة الصف والموقف الكوردي، ونيل حقه في تقرير المصير؟

في المنظور القريب، يبدو ان القضية الكوردية لا تزال في خطر، بل ان هذا الخطر بات يظهر بشكل مختلف عما كان عليه في السابق. ولا شك ان القضية الكوردية، خاصة بعد فرض الحظر الجوي على كوردستان العراق عقب الهجرة المليونية عام 1991 خلال حرب الخليج الثانية، والذي اعلنه التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وما تلاه من سقوط نظام صدام حسين واقامة نظام تعددي فدرالي، قد اكتسبت اهمية كبيرة.

فقد اصبحت القضية الكوردية من ابرز قضايا الشرق الاوسط، بعد انتقالها الى المحافل الدولية، حيث تتجاذبها القوى الاقليمية والدولية، وكل منها يسعى الى ترسيخ نفوذه في مستقبل هذه القضية بعد نيل الشعب الكوردي حقه في تقرير المصير.

وغدا لناظره قريب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…