أحمد بلال
الأحفاد يدفعون الثمن… فهل يتعلّمون التعايش؟
هذه الأرض التي تُعرف اليوم بفلسطين لم تكن يومًا حكرًا على شعب واحد، بل كانت موطنًا لشعوب متعددة، من بينهم العبرانيون الذين ارتبط تاريخهم القديم بهذه المنطقة، إلى جانب شعوب أخرى عاشت فيها قبلهم، مثل الكنعانيين والأقباط.
كما ارتبطت هذه الأرض بجدّ الأنبياء، سيدنا إبراهيم، ومن بعده بأنبياء كُثُر، مثل عيسى عليه السلام الذي وُلد في بيت لحم، وعاش فيها أيضًا أنبياء مثل إسحاق عليه السلام ويعقوب عليه السلام في منطقة الخليل، مما يدلّ على أنها ليست أرضًا عربية بالأصل فقط.
وعبر التاريخ، لم تكن الصراعات مجرد أحداث عابرة، بل كانت في كثير من الأحيان صراعات قاسية فرضت فيها قوى مختلفة سيطرتها. وقبل الفترة التي يسميها البعض “الفتوحات الإسلامية” في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، والتي كما يبدو من خلال ما كان يُفعل في البلدان التي دخلها المسلمون باسم الإسلام، حيث كان يُعيَّن والٍ عربي وتُجعل اللغة العربية لغة الدولة بحجة أنها لغة القرآن، يرى البعض أن هذه كانت “فتوحات”، لكنني أسميها “غزوات”. وأعتقد أن كثيرين يوافقونني في هذه التسمية، نظرًا لما رافق تلك الغزوات من ممارسات كالقَتل والسلب وفرض الهيمنة، وهو واقع لا يمكن إنكاره عند قراءة التاريخ من زاوية نقدية حيادية.
كما أن تحوّلات الهوية التي شهدتها شعوب عديدة – سواء في هذه المنطقة أو في مناطق أخرى كبلاد الأمازيغ والفينيقيين في الساحل السوري، والكُرد في كردستان – تطرح تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت تلك التحوّلات دائمًا نتيجة اختيار حر، أم أنها جاءت أحيانًا تحت ضغط القوة والنفوذ. وأرى أن الحروب التي قام بها العرب بحجة نشر الإسلام كان الدافع الأساسي لها هو التوسع.
وهذه العقلية كانت حاضرة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، حيث كان العرب يعيشون على الغزوات فيما بينهم.
لكن، ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأهم: من يدفع الثمن اليوم ليسوا من صنعوا تلك الأحداث، بل أحفادهم. أجيال وُلدت في زمن مختلف، لكنها ما زالت تعيش نتائج صراعات قديمة، وكأن التاريخ يرفض أن ينتهي.
إن الاستمرار في تبرير الماضي أو تقديسه، وتلك الأعمال والحروب التي خاضها الأجداد من أجل التوسع في النفوذ – من وجهة نظري – لن يغيّر الواقع، كما أن تحميل الحاضر أخطاء التاريخ والأجداد لن يصنع مستقبلًا أفضل.
الطريق الوحيد الممكن هو الاعتراف بأن ما حدث كان معقّدًا، وفيه جوانب مؤلمة لدى الجميع، وأن تعترف الجهة الحاكمة الآن من أبناء العرب – وأخص هنا المملكة العربية السعودية، كونها الأرض التي شهدت ولادة سيدنا محمد عليه السلام ووفاته، وما تزال زيارة قبره جزءًا مهمًا لدى كثير من المسلمين عند الحج – بذلك، فالاعتذار من شيم الأقوياء.
ومن هنا، يصبح التعايش السلمي بين الشعوب في بلد واحد كفلسطين – التي تُعرف اليوم أيضًا بدولة إسرائيل، حيث يعيش فيها أحفاد العبرانيين – ليس خيارًا ضعيفًا، بل موقفًا شجاعًا. هو رفض لأن يبقى الأحفاد أسرى لصراعات الأجداد، واختيار لبناء واقع مختلف يعترف بالجميع بدل أن يُقصي أحدًا.
فاستمرار الصراع لن يؤدي إلا إلى هلاك الجميع في أرض الله.
وانطلاقًا مما ذُكر، أدعو قادة الشعبين – محمود عباس وبنيامين نتنياهو – إلى العمل على إقامة دولة مواطنة بلا هوية إقصائية، يعيش فيها العربي والإسرائيلي معًا تحت سقف دولة يحكمها القانون، ويتساوى فيها المواطنون بغضّ النظر عن عِرقهم أو مذهبهم، بما يحقق المساواة والتعايش السلمي بين الشعبين العربي واليهودي.