إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى ( الحلقة الثالثة) كيف تغيّر مفهوم القوة في العالم؟

د. محمود عباس

 

لم تعد القوة في العالم الحديث هي ما كانت عليه في العصور السابقة. ففي الماضي، كانت تُقاس أساسًا بعدد الجنود، وسعة الجغرافيا، وحجم الترسانة العسكرية، وقدرة الدولة على فرض سيطرتها المباشرة على الأرض. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. لم يعد السلاح وحده يصنع المكانة، ولم تعد الجيوش وحدها تحدد وزن الدول والشعوب، بل دخلت عناصر أخرى إلى صلب القوة، الاقتصاد، والتكنولوجيا، والبيانات، والتعليم، والإعلام، والقدرة على التأثير في الوعي وصناعة القرار.

يكفي أن ننظر إلى الولايات المتحدة والصين لندرك أن الصراع بينهما لا يُختزل في الجيوش والأساطيل، بل يتمحور أيضًا حول التكنولوجيا الدقيقة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والجامعات، وسلاسل الإنتاج، والنفوذ المالي العالمي. كما أن إسرائيل، رغم مساحتها الصغيرة، لم تفرض حضورها فقط بقوتها العسكرية، بل أيضًا بتفوقها التكنولوجي، ونفوذها في مراكز القرار الغربية، وقدرتها على تحويل المعرفة إلى عنصر من عناصر الأمن القومي. وحتى تركيا، التي تقدم نفسها كقوة إقليمية، لم تكتف بجيشها، بل استثمرت في الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيّرة، والإعلام، والانتشار الاقتصادي، واستخدام الجغرافيا السياسية في فرض دورها. هذه الأمثلة تؤكد أن مفهوم القوة لم يعد عسكريًا صرفًا، بل أصبح منظومة متكاملة.

ومن هنا، فإن أي شعب يبحث عن مكانه في هذا العالم لا يمكنه أن يفكر بعقل الأمس. وهذا ينطبق على الشعب الكوردي أكثر من غيره، لأن قضيته لم تكن يومًا مجرد قضية عسكرية، بل قضية وجود قومي، وحق تاريخي، وصراع على الجغرافيا والهوية والمستقبل. لكن الإشكالية أن جزءًا كبيرًا من العقل السياسي الكوردي ما زال ينظر إلى القوة من زاوية تقليدية، السيطرة على الأرض، عدد المقاتلين، التوازنات الأمنية، أو حجم الحضور الحزبي. وهذه عناصر مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية.

لقد أثبتت تجربة كوباني، مثلًا، أن الصمود العسكري قادر على فرض الحضور في لحظة تاريخية حرجة، وأن البطولة تستطيع أن تغيّر نظرة العالم مؤقتًا. لكن ما بعد كوباني كشف أيضًا أن الانتصار العسكري، إذا لم يتحول إلى مؤسسات راسخة، واقتصاد متماسك، وتعليم متطور، وعلاقات سياسية أوسع، يبقى مهددًا بالتآكل. وكذلك الأمر في تجربة الإدارة الذاتية في غربي كوردستان، فقد نجحت في فرض نفسها خلال سنوات الحرب والفوضى، وملأت فراغًا سياسيًا وأمنيًا، لكنها لم تتمكن، من تحويل هذه التجربة إلى قوة متكاملة بالمعنى الاستراتيجي.

فالإدارة التي تنشغل بالأمن أكثر من التنمية، وتبقى بنيتها الاقتصادية ضعيفة، وتعجز عن تثبيت خطاب سياسي قومي واضح، وتسمح بتضخم الهشاشة المعيشية، ستجد نفسها مع الوقت أمام تجربة قابلة للاستنزاف. وهذا ما يواجهه غربي كوردستان اليوم. فالمشكلة لم تعد فقط في تهديدات تركيا، ولا في تبدل الموقف الأمريكي، ولا في صعود سلطة مركزية سورية ذات طابع راديكالي متطرف، بل أيضًا في أن التجربة نفسها لم تُحصّن بما يكفي من الداخل. لم يتحول الوجود الكوردي فيها إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي صلب يفرض نفسه على الجميع.

الأخطر من ذلك أن الشعب الكوردي، رغم كل ما قدمه من تضحيات في غربي كوردستان، لم يُعوَّم حتى الآن على أرضه تعويمًا قوميًا واضحًا. لم تتحول الجغرافيا إلى تعريف قومي صريح يحمي جوهر القضية، بل بقيت الصياغات فضفاضة، وبقيت الإدارة أقرب إلى حالة وظيفية منها إلى مشروع قومي متكامل يحتضن الآخرين من موقع الشعب المؤسس. ومع مرور الوقت، أصبح العرب وغيرهم أكثر حضورًا في مفاصل الإدارة والخطاب العام، بينما تراجع وضوح البعد القومي الكوردي، وكأن الكورد، مرة أخرى، يدفعون الدم ثم يترددون في تثبيت حقهم السياسي على جغرافيتهم.

وهنا تظهر الأزمة الحقيقية في فهم القوة. فالقوة ليست فقط أن تمتلك وحدات مقاتلة أو إدارة محلية، بل أن تملك القدرة على تثبيت هويتك السياسية، وحماية عمقك القومي، وبناء اقتصاد يمنع الهجرة، وتأسيس تعليم يصنع نخبًا جديدة، وإنتاج إعلام يخاطب العالم، وتكوين شبكة مصالح دولية تجعل المساس بك مكلفًا. من دون ذلك، يبقى أي إنجاز ميداني معرضًا للتآكل، وأي حضور سياسي قابلًا للتهميش.

ولعل المقارنة مع إقليم كوردستان العراق، تكشف جانبًا من هذه المسألة. فالإقليم، رغم مشكلاته العميقة والانقسامات المعروفة فيه، والمخاطر الخارجية، استطاع أن يفرض اسمًا سياسيًا وجغرافيًا معترفًا به نسبيًا، وأن يبني قدرًا من المؤسسات والعلاقات الدولية والاقتصاد المحلي جعله أكثر رسوخًا من مجرد حالة عسكرية. أما في غربي كوردستان، فإن التضحيات كانت جسيمة، لكن الترجمة السياسية والقومية لهذه التضحيات كانت دون مستوى الدم المبذول.

لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه الحراك الكوردي اليوم ليس فقط، كيف نصمد؟ بل، كيف نبني قوة تجعل صمودنا قابلًا للاستمرار؟ كيف نمنع أن تتحول تضحياتنا إلى مجرد ذاكرة بطولية؟ كيف نربط بين البعد القومي الكوردي وبين الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية؟ وكيف نجعل من الكفاءات الكوردية في أوروبا وأمريكا، ومن الطاقات الشابة في الداخل، ومن الخبرة المتراكمة، عناصر قوة استراتيجية لا مجرد طاقات متناثرة؟

إن العالم الجديد لا يعترف فقط بمن يقاتل، بل بمن يعرف كيف يحوّل قتاله إلى موقع سياسي واقتصادي ومعرفي مستقر. وهذه هي المعضلة الكوردية اليوم، أن النضال ما زال حاضرًا، لكن مفهوم القوة الذي يجب أن يحمله هذا النضال لم يكتمل بعد. ومن هنا، فإن إعادة تعريف القوة ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط البقاء القومي.

فالمستقبل لن يكون للشعب الذي يملك ذاكرة التضحيات فقط، بل للشعب الذي يعرف كيف يحوّل هذه الذاكرة إلى مؤسسات، وهذه المؤسسات إلى نفوذ، وهذا النفوذ إلى اعتراف. وإلا، فإن الكورد سيبقون، مرة أخرى، قوة في الميدان، وضعفًا في الترجمة السياسية.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…