الصحافة الكوردية .. صوتٌ وُلد حرًا

خالد حسو

 

حين نتأمل بدايات الصحافة الكوردية، ندرك أننا لا نقف أمام تجربة إعلامية عابرة، بل أمام لحظة وعيٍ حقيقية حاول فيها الكوردي أن يكتب نفسه بنفسه، وأن يقدّم صوته في زمنٍ لم يكن يعترف بسهولة بالأصوات المختلفة. منذ البداية، لم تكن الكلمة ترفًا، بل كانت فعلًا من أفعال الدفاع عن الهوية، ومحاولة جادّة لبناء وعيٍ جماعي يعبّر عن شعبٍ ظلّ طويلًا خارج سرديات الآخرين.

في الثاني والعشرين من نيسان عام 1898، صدرت صحيفة “كوردستان” لتكون أول تعبير واضح ومنظم عن هذا الصوت. أسسها الأمير مقداد مدحت بدرخان، بمساعدة عدد من المثقفين الكورد في المهجر، واختار القاهرة مكانًا للإصدار هربًا من القيود التي فرضتها الدولة العثمانية. ومع تصاعد الملاحقة، تنقّلت الصحيفة بين جنيف ولندن، محاولة أن تستمر رغم التضييق، حتى بلغ مجموع أعدادها واحدًا وثلاثين عددًا. ورغم هذا العمر القصير، فإن أثرها كان عميقًا، لأنها لم تكن مجرد صحيفة، بل كانت فكرة.

ما ميّز “كوردستان” أنها لم تُكتب من أجل جهة، ولا لتكون صدى لسلطة، بل جاءت لتعكس صورة كوردستان كما يراها أبناؤها. تناولت التاريخ واللغة والثقافة، وفتحت المجال للأدب، فحضرت فيها القصيدة والنص، بوصفهما تعبيرًا عن روحٍ تبحث عن ذاتها. لم تكن الهوية فيها شعارًا، بل كانت حاضرة في اللغة، في الفكرة، وفي طريقة النظر إلى العالم.

وفي الوقت نفسه، لم تنفصل الصحيفة عن واقعها السياسي، بل اقتربت منه بوضوح وجرأة. تناولت سياسات الدولة العثمانية بنبرة نقدية، وكشفت ما تعرّض له الكورد من تهميش وضغط، سواء على مستوى الإدارة أو على مستوى اللغة والهوية. لم يكن هذا الطرح انفعالًا عابرًا، بل محاولة لفهم ما يجري وتسميته كما هو، دون تجميل أو خوف، وهو ما منحها صدقيتها وقيمتها.

والأهم من ذلك كله أنها حافظت على استقلالها، فلم تكن أداة دعائية، ولا لسان حال لأي طرف، بل سعت إلى أن تكون صوتًا عامًا يعكس هموم الناس وتطلعاتهم. وهذا ما يجعلها، حتى اليوم، تجربة مختلفة ونقطة مرجعية لكل من يفكر في معنى الصحافة ودورها.

وربما هنا تكمن المفارقة مع واقعنا اليوم؛ فبينما وُلدت الصحافة الكوردية كصوتٍ حر، ما زلنا نبحث عن هذا الصوت في زمنٍ كثرت فيه المنابر وقلّ فيه الاستقلال. فالصحافة ليست مجرد احتفال بيومٍ في السنة، بل مسؤولية يومية، ومرآة يجب أن تعكس الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.

لهذا، فإن العودة إلى تجربة “كوردستان” ليست استذكارًا للماضي بقدر ما هي محاولة لفهمه واستعادة روحه؛ روح الصحافة التي وُلدت لتكون حرة، لا تابعة، وصادقة، لا مقيّدة. وربما في هذه العودة ما يذكّرنا بأن بناء حاضرٍ أفضل يبدأ من كلمة حرة، لا تخاف ولا تُساوم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو تتزامن ذكرى مرور عشر سنوات على اعتقالي وترحيلي القسري مع انتهاء صلاحية “قسد” والإدارة الذاتية، وزوال مفعولها، وإزالة شعاراتها وصورها ودورها الزائفة. أستعيد مشهد منظومة فرضت نفسها بقوة سلاح النظام البائد، هجرت شبابنا، كتمت الأفواه ، ونشفت أقلام المثقفين، وحولت نصف الشعب إلى مصفق لبقائه، بينما قدمت مدننا وأهلنا قرابين لتمديد عمرها. نعم، أنا أحد ضحايا هذه المنظومة،…

ماهين شيخاني هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل.   زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.   واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع…

كفاح محمود في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا…

راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا للمشي. ليس فيها نسمة هواء نظيفة بعد أن تم حشوها…