قراءة في تحركات بافل طالباني والمخاطر الوطنية

حسن قاسم
تثير التحركات الأخيرة لـبافل طالباني موجة متزايدة من التساؤلات والشكوك داخل الشارع الكوردي، لا سيما في ظل تعقيد المشهد السياسي في العراق والمنطقة. فهذه التحركات، التي تتقاطع فيها المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية، تفتح الباب أمام نقاش جدي حول حدود العمل السياسي حين يقترب من خطوط حساسة تمس الأمن القومي الكوردي ومستقبل الإقليم.
من أبرز النقاط المثيرة للجدل، ما يُتداول حول الاستحواذ على أسلحة أمريكية كانت موجهة لفصائل كوردية في إيران، وهو أمر – إن صح – يضع علامات استفهام كبيرة حول طبيعة الاستخدام وأهدافه. فالسلاح في منطقة ملتهبة ككوردستان لا يمكن فصله عن موازين القوى الداخلية، وأي اختلال في هذا التوازن قد يقود إلى سيناريوهات غير محسوبة العواقب.
بالتوازي مع ذلك، تبدو محاولات بناء تحالفات سياسية مع قوى مثل الحشد الشعبي وحركة بابليون بقيادة ريان الكلداني خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز مجرد التنسيق السياسي. إذ يُنظر إلى هذه التحالفات على أنها إعادة تموضع في خريطة النفوذ داخل العراق، وربما محاولة لفرض واقع سياسي جديد، خاصة فيما يتعلق بملفات حساسة كاختيار رئيس الجمهورية أو إدارة محافظة كركوك.
وتبقى كركوك، المدينة التي تمثل رمزاً قومياً للكورد، في قلب هذا الجدل. فطرح فكرة تعيين محافظ من المكون التركماني، رغم محدودية تمثيله في مجلس المحافظة، يُفسَّر من قبل كثيرين على أنه تنازل سياسي خطير، أو حتى “مقايضة” ضمن صفقات أكبر. هذا الطرح يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة أثارت انقسامات حادة داخل البيت الكوردي، ويهدد بإضعاف الموقف التفاوضي للكورد في واحدة من أهم القضايا الاستراتيجية.
على الصعيد الإقليمي، تبرز أيضاً محاولات التقارب مع أنقرة عبر قنوات غير مباشرة، بما في ذلك أطراف مقربة من حزب العمال الكوردستاني. هذه التحركات تعكس براغماتية سياسية، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات حول مدى انسجامها مع الثوابت القومية، خصوصاً في ظل التوترات التاريخية بين تركيا والحركة الكوردية.
داخلياً، لا يمكن تجاهل محاولات استمالة قوى كوردية أخرى، سواء من التيار الإسلامي أو حركة الجيل الجديد وحزب كوران ، في إطار إعادة تشكيل ميزان القوى داخل الإقليم. غير أن هذه الجهود، بدلاً من أن تسهم في توحيد الصف، قد تعمّق الانقسام إذا ما بُنيت على أسس تنافسية حادة أو حسابات ضيقة.
في المقابل، يرى أنصار مسعود بارزاني أن هذه التحركات تستهدف بشكل مباشر مشروع الاستقرار والتنمية في إقليم كوردستان، وتُستخدم كورقة ضغط سياسية على الحزب الديمقراطي الكوردستاني. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، محذرين من أن التصعيد السياسي قد ينزلق – في أسوأ الأحوال – نحو مواجهات عسكرية داخلية لا تخدم سوى خصوم القضية الكوردية.
في النهاية، لا يمكن إنكار حق أي طرف سياسي في السعي لتعزيز نفوذه، لكن هذا الحق يجب أن يُقاس بميزان المصلحة العامة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الانقسامات الداخلية كانت دائماً البوابة التي ينفذ منها الآخرون لإضعاف الكورد وتقويض مكتسباتهم. وبين الطموح السياسي والمخاطر الوطنية، تبقى الحاجة ملحة إلى قدر أعلى من المسؤولية، وإلى حوار جدي يضع مصلحة الشعب الكوردي فوق كل اعتبار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو   حين نتأمل بدايات الصحافة الكوردية، ندرك أننا لا نقف أمام تجربة إعلامية عابرة، بل أمام لحظة وعيٍ حقيقية حاول فيها الكوردي أن يكتب نفسه بنفسه، وأن يقدّم صوته في زمنٍ لم يكن يعترف بسهولة بالأصوات المختلفة. منذ البداية، لم تكن الكلمة ترفًا، بل كانت فعلًا من أفعال الدفاع عن الهوية، ومحاولة جادّة لبناء وعيٍ جماعي يعبّر عن…

لوند حسين*   لا يمكن فهم شخصية حاجو آغا الهەڤێركي ضمن ثنائية سطحية تختزلهُ بين «موالٍ للسُلطات العُثمانية-التُركية» و«بطل قوميٌ كُردي»، فالتاريخ الكُردي، وخاصة في مرحلتِهِ العثمانية-التُركية الانتقالية، كان أكثر المراحل تعقيداً من هذه الأحكام الجاهزة؛ فقراءة مسيرتِهِ تتطلب وضعها ضمن سياق صراعات البقاء، والتحالفات العشائرية، والتحولات السياسية التي فرضت نفسها على الزعامات الإقطاعية المحلية. ضمن هذا السياق، يأتي كتاب…

صديق ملا   ((جكرخوين الثورة……)) يعتبر الشاعر الكوردي الكبير جكرخوين أحد أولئك الكبار من الكورد الذين سخروا حياتهم في خدمة شعبهم وتقدمه ، والذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل سعادة شعبه ورفاهيته ، من خلال قول كلمة الحق والدفاع عنه . فهو وبحق يعتبر قامة شعرية رائدة ليس بين شعراء الكورد في سورية فحسب ؛ بل في كافة أجزاء كوردستان…

شادي حاجي تشكل القضية الكردية في سوريا إحدى القضايا الجوهرية التي ستواجه أي عملية إعادة تأسيس دستوري دائم في الدولة السورية . فالعلاقة بين الدولة المركزية والمكونات القومية والدينية والطائفية لا يمكن أن تبقى رهينة معالجات إدارية وأمنية ظرفية ، بل تتطلب إطاراً دستورياً واضحاً يوازن بين مبدأ وحدة الدولة وضمان الحقوق الجماعية والثقافية للمكونات المختلفة ، وفي مقدمتها…