حين تُدار القضية كملكية خاصة… من يملك القرار ومن يدفع الثمن؟

صلاح عمر

 

في السياسة، يمكن تبرير الأخطاء… لكن لا يمكن تبرير الغموض.
وما يجري اليوم باسم التفاوض “عن الكرد” في دمشق، لم يعد مجرد مسار سياسي قابل للنقاش، بل تحوّل إلى علامة استفهام كبيرة بحجم قضية.
هل نحن أمام مفاوضات لحماية حقوق شعب؟
أم أمام إدارة أزمة تبحث عن تثبيت مواقع ونفوذ؟
حين تتساقط، بصمتٍ مريب، عناوين كانت تُقدَّم على أنها “ثوابت”—الفيدرالية، اللامركزية، الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي—فإن المسألة لا تعود اجتهادًا سياسيًا، بل انقلابًا على ما سُمّي يومًا “إجماعًا كرديًا”، كما عبّر عنه كونفرانس قامشلو.
والأخطر من التنازل… هو طريقة التنازل.
لا شرح، لا مصارحة، لا وثائق، لا حتى محاولة إقناع.
كأن القضية شأنٌ إداري داخلي، لا قضية شعبٍ دفع أثمانًا باهظة على مدار عقود، وقدم خلال السنوات الأخيرة تضحيات لا تُحصى.
أي منطقٍ هذا الذي يجعل من التفاوض غرفة مغلقة، ومن الشعب متفرجًا؟
وأي شرعيةٍ تبقى، حين يُطلب من الناس أن يثقوا بقرارات لا يعرفون عنها شيئًا؟
السخرية المُرّة هنا، أن من يتحدث باسم “الإرادة الشعبية”، يتصرف وكأن هذه الإرادة تفويضٌ مفتوح بلا سقف ولا مساءلة. وكأن الأرض التي رُويت بدماء الآلاف، يمكن أن تُدار كملفٍ إداري، أو—أسوأ من ذلك—كمزرعةٍ خاصة.
لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها، هي أن أي قوة سياسية—مهما بلغت—لا تستمد وزنها من ذاتها، بل من القضية التي تحملها، ومن الناس الذين يقفون خلفها.
فمن دون هذا الشعب، وبدون عدالة قضيته، تتحول كل العناوين إلى فراغ، وكل المواقع إلى أرقام بلا معنى.
ليس المطلوب شعارات جديدة، ولا خطابات أكثر حماسة.
المطلوب شيء أبسط… وأصعب:
الصدق.
الصدق في إخبار الناس بما يجري،
والجرأة في الاعتراف بما تم التنازل عنه،
والمسؤولية في تفسير لماذا وكيف.
لأن الشعوب قد تصبر على الخسارة…
لكنها لا تقبل أن تُعامل كأنها خارج المعادلة.
وفي لحظةٍ كهذه، لا يعود السؤال: ماذا نفاوض؟
بل: من يملك حق التفاوض أصلًا؟
وحين يُطرح هذا السؤال بوضوح…
تبدأ السياسة بالاقتراب من معناها الحقيقي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو تتزامن ذكرى مرور عشر سنوات على اعتقالي وترحيلي القسري مع انتهاء صلاحية “قسد” والإدارة الذاتية، وزوال مفعولها، وإزالة شعاراتها وصورها ودورها الزائفة. أستعيد مشهد منظومة فرضت نفسها بقوة سلاح النظام البائد، هجرت شبابنا، كتمت الأفواه ، ونشفت أقلام المثقفين، وحولت نصف الشعب إلى مصفق لبقائه، بينما قدمت مدننا وأهلنا قرابين لتمديد عمرها. نعم، أنا أحد ضحايا هذه المنظومة،…

ماهين شيخاني هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل.   زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.   واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع…

كفاح محمود في الطب، قد تكون الجلطة لحظة فاصلة بين الحياة والموت، فهي تحدث عندما ينسد شريان يمنع وصول الدم إلى جزء من الجسد، أو عندما يتوقف مسار حيوي عن أداء وظيفته الطبيعية.، وقد تنتهي بوفاة العضو، أو تترك أثرًا دائمًا يتمثل في فقدان القدرة على الحركة، فالخطر لا يكمن دائمًا في توقف الحياة، بل أحيانًا في بقاء الجسد حيًا…

راجآل محمد Rajal Muhammed بمناسبة مئوية القامشلي سأغرد خارج السرب، ولن أتغنى بجمالها فهي ليست جميلة فلا شارع واحد مشجر من الطرفين، ولا حتى من طرف واحد. ليس فيها قانون للمرور حيث ترى السيارات مركونة كيفما شاء اصحابها وتأتي من كل الاتجاهات وترى السيارة مركونة على الرصيف ولا تترك مجالا للمشي. ليس فيها نسمة هواء نظيفة بعد أن تم حشوها…