زردشت محمد
شكّلت نشأة حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) في مطلع تسعينيات القرن الماضي محطة لافتة في مسار تطور الفكر السياسي الكردي السوري، ليس فقط على مستوى البنية التنظيمية، بل أيضًا على صعيد الرؤية التي سعى الحزب إلى بلورتها تجاه القضية الكردية وعلاقتها بالإطار الوطني السوري. فقد طرح الحزب، في سياق سياسي شديد الانغلاق، جملة من الأفكار التي بدت متقدمة على بيئتها، وأقرب إلى استشراف مسارات مستقبلية منها إلى التعبير عن توازنات تلك المرحلة.
تمثّل أحد أبرز هذه الطروحات في الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني كردي يفضي إلى تشكيل مرجعية سياسية موحّدة، قادرة على تنظيم الموقف الكردي وتوحيد خطابه، تمهيدًا للانخراط في مسار وطني أشمل عبر مؤتمر سوري عام. لم يكن هذا التصور مجرد محاولة لتجاوز الانقسام الداخلي، بل انطوى على رؤية أوسع تسعى إلى إدراج القضية الكردية ضمن مشروع ديمقراطي سوري جامع، يعيد تعريفها كجزء من المسألة الوطنية، لا كقضية معزولة أو محصورة في بعدها القومي الضيق.
في ذلك السياق، كانت الحياة السياسية السورية خاضعة لقيود أمنية صارمة، حالت دون نشوء فضاء عام فعّال للعمل الحزبي أو الحوار الوطني. كما أن معظم القوى السياسية، التقليدية منها والناشئة، لم تكن قد طورت خطابًا واضحًا يعترف بالقضية الكردية بوصفها قضية حقوقية وسياسية مشروعة ضمن الدولة. لذلك، بدت دعوة الحزب إلى ربط حل القضية الكردية بمشروع ديمقراطي شامل خطوة تتجاوز السقف السياسي القائم، وتؤسس لمنظور مختلف عمّا كان سائدًا، ليس فقط على المستوى السوري العام، بل داخل أوساط من الحركة الكردية نفسها.
تكمن أهمية هذا الطرح في محاولته إحداث تحول مفاهيمي عميق، نقل القضية الكردية من إطارها “الكردي–الكردي” إلى الفضاء الوطني الديمقراطي. فبدل حصر المطالب في بعدها القومي المنفصل، جرى التأكيد على أن تحقيق الحقوق الكردية يرتبط عضوياً بإقامة نظام ديمقراطي يضمن المساواة والاعتراف بالتعددية القومية والثقافية. بهذا المعنى، لم يعد الكرد موضوعًا لسياسات الدولة فحسب، بل فاعلًا مفترضًا في إعادة تأسيسها.
إلى جانب ذلك، شدد الحزب على مبدأ استقلالية القرار الكردي السوري، مع الحفاظ على خصوصيته ضمن الإطار الوطني. وقد سعت هذه الفكرة إلى تحقيق توازن دقيق بين الانتماء القومي الكردي الأوسع، ومتطلبات الواقع السوري بتعقيداته الداخلية والإقليمية. وهي إشكالية لا تزال حاضرة حتى اليوم، في ظل تداخل العوامل المحلية مع التأثيرات الإقليمية في المسألة الكردية.
مع ذلك، لم يتحول هذا الطرح إلى مسار سياسي فعّال. ولا يبدو أن المشكلة كانت في الفكرة بحد ذاتها، بل في الفجوة بين نضج الرؤية وضعف شروط تحققها. فنجاح مؤتمر وطني كردي كان يتطلب مستوى أعلى من التماسك التنظيمي والتوافق السياسي الداخلي، وهو ما لم يكن متوفرًا بالكامل. كما أن الانتقال إلى التأثير في المسار الوطني السوري كان يفترض وجود شركاء مستعدين للانخراط في مشروع ديمقراطي يعترف بالتعددية، وهو ما كان غائبًا أو محدودًا بفعل بنية سياسية مغلقة ومفككة في آن واحد.
في المقابل، اصطدمت فكرة “المرجعية الكردية الموحّدة” بمعضلة بنيوية داخل الحركة الكردية نفسها. فالتعددية الحزبية لم تكن دائمًا تعبيرًا عن اختلاف برامج بقدر ما كانت انعكاسًا لانقسامات أيديولوجية وشخصية، فضلًا عن تأثيرات إقليمية متداخلة. وهو ما جعل أي مشروع توحيدي يحتاج إلى ما هو أكثر من رؤية سياسية متقدمة، يحتاج إلى إعادة بناء قواعد العمل الحزبي ذاته.
إلى جانب ذلك، برزت محدودية أدوات العمل السياسي لدى الحزب، ليس فقط من حيث الانتشار، بل من حيث ضعف المشاركة التنظيمية وعمق الفعل الحزبي داخل بنيته. وقد ارتبط هذا الضعف بثقافة سياسية سائدة اتسمت بالميل إلى الأطر التقليدية، وضعف المبادرة القاعدية، وهيمنة النخب الحزبية على القرار، ما حدّ من ديناميكية التنظيم وقدرته على التوسع والتجدد.
ولا يمكن فصل هذه المحددات عن الضغوط الأمنية التي فرضت قيودًا صارمة على العمل العلني، ودَفعت النشاط السياسي نحو أنماط شبه سرّية، الأمر الذي قيّد إمكانيات التعبئة والتنظيم، وأضعف التواصل الداخلي، وكرّس حالة من الحذر انعكست سلبًا على انخراط القواعد. وهنا تبرز مفارقة لافتة، فبينما كان الخطاب السياسي يتجه نحو آفاق ديمقراطية متقدمة، بقيت أدواته التنظيمية محكومة بشروط بيئة قمعية وثقافة تقليدية، ما خلق فجوة بين الطموح النظري والقدرة الفعلية على تحقيقه.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر التراكمي لهذا الطرح. فالأفكار السياسية لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بقدرتها على إعادة التشكل في لحظات تاريخية لاحقة. وقد برزت، لا سيما بعد عام 2011، مفاهيم مثل الحل الديمقراطي واللامركزية والفيدرالية ودمج القضية الكردية ضمن مشروع وطني شامل، بوصفها امتدادًا لتراكمات فكرية سابقة، كان هذا الطرح أحد تعبيراتها المبكرة.
في المحصلة، يمكن النظر إلى تجربة الحزب بوصفها محاولة مبكرة لإعادة تعريف العلاقة بين الكرد والدولة السورية على أسس ديمقراطية. ورغم أن هذه الرؤية لم تتحول آنذاك إلى مشروع سياسي مكتمل، إلا أنها ساهمت في بلورة إطار نظري لا يزال حاضرًا في النقاش السوري. ومن هنا، يظل السؤال مفتوحًا: هل كانت المشكلة في أن الرؤية كانت متقدمة على زمنها، أم في أن الفاعلين لم يطوّروا الأدوات الكفيلة بتحويل هذا التقدم إلى واقع سياسي ملموس.؟