كركوك لن تكون سلعة

شــــــريف علي

كركوك لن تكون سلعة، ولن تتحول يومًا إلى ورقة في دفتر مقايضات السياسيين، لأنها ليست رقعة على طاولة مساومات، بل مدينة كوردستانية تختزن ذاكرة شعب وعمقًا جغرافيًا وثقلاً اقتصاديًا لا يمكن تحويله إلى بند في مفاوضات عابرة أو صفقات تُعقد في الغرف المظلمة بين من اعتادوا بيع المواقف وشراء النفوذ. كل محاولة لطرحها كملف قابل للبيع والشراء تتجاهل حقيقة أن كركوك ليست ملكًا لسلطة مؤقتة ولا لفصيل استطاع عبر تفاهمات تآمرية أن يفرض سيطرته عليها، بل هي جزء من هوية راسخة لا تُختزل في اتفاقيات ولا تُقاس بمكاسب سياسية قصيرة المدى.

منذ سنوات، تُدار حول كركوك صفقات لا تنتهي، بعضها معلن وأكثرها مخفي، تبدأ من تفاهمات 2017 التي فتحت الباب أمام قوى عراقية وغير عراقية في بغداد للسيطرة على المدينة  بقوة السلاح ودون أي إعتبار لتداعيات مثل هكذا عملية على السكان المدنيين، وتستمر في صفقات النفط والحدود والمعابر التي تُعقد بين بغداد وأنقرة وطهران، حيث تُستخدم كركوك كورقة ضغط أو كجائزة تُمنح مقابل تنازلات سياسية. وفي كل مرة، يجري الحديث عن المدينة وكأنها ملكية خاصة يمكن نقلها من يد إلى أخرى، على غار صفقة فندق الرشيد في بغداد 2024 ،بينما أهلها يُستبعدون من القرار، وهويتها تُختزل في حسابات لا علاقة لها بتاريخها ولا بتركيبتها القومية.

ولم تكن الفصائل العراقية بعيدة عن هذا المشهد، فبعضها حاول فرض أمر واقع جديد عبر تغيير موازين القوى الأمنية أو الضغط على الإدارة المحلية أو التأثير على التركيبة السكانية، وكل ذلك ضمن تفاهمات أوسع بين بغداد وطهران، بما يخدم مصالح تلك القوى لا مصالح سكان كركوك ، وهدفهاالاساسي تقليص الحضور الكوردي في المدينة وإعادة رسم حدود النفوذ،ووضع العقبات أمام مسيرة البناء والتطوير لقيادة وحكومة الاقليم ،.

لكن قلب هذا المشهد، تقف المادة 140 من الدستور العراقي – التي يقفز عليها المتآمرون – كالنص الذي يخشاه المساومون. فالمادة ليست مجرد بند قانوني، بل خارطة طريق واضحة لحل قضية كركوك عبر التطبيع والإحصاء والاستفتاء، وهي عملية كان يفترض أن تُنجز قبل نهاية عام 2007. لكن القوى التي تستفيد من بقاء الوضع المعلّق عملت على تعطيلها وتجميدها واستبدالها بصفقات مؤقتة، لأنها تدرك أن تطبيق المادة 140 يعني نهاية قدرتها على استخدام المدينة كورقة تفاوض. تجاهل المادة لا يلغيها، ومحاولات الالتفاف عليها لا تُسقط شرعيتها، لأنها النص الدستوري الوحيد الذي يضمن حلاً عادلاً يعكس إرادة سكان كركوك، لا إرادة من يفاوضون باسمهم دون تفويض.

كركوك ليست صفقة، بل مسؤولية تاريخية تناقلتها الأجيال، وترسخت هويتها الكوردستانية بدماء عشرات الآلاف من أبناء الشعب الكوردي. ومن يفرّط بها لا يفرّط باستقرار العراق فقط، بل باستقرار المنطقة كلها، لأن العبث بهوية كركوك يعني العبث بتوازن قومي وسياسي حساس لا يحتمل المغامرات ولا الصفقات قصيرة النظر. لقد أثبتت التجارب أن كركوك لا تُدار بالاتفاقيات العابرة، ولا تُختزل في تفاهمات ليلية، ولا يمكن لأي طرف -مهما كان حجمه – أن يفرض عليها واقعًا لا يشبهها.

وفي النهاية، تبقى كركوك “قلب كوردستان” و لن تكون سلعة، أو جائزة  أو منحة تُمنح في صفقات سياسية أو حزبية أو إقليمية. ومن يظن أنه قادر على مقايضتها أو المتاجرة بها، إنما يكتب نهايته السياسية بيده. الشعوب لا تنسى من يساوم على مدنها، ولا تغفر لمن يحوّل تاريخها إلى بند في دفتر حسابات، ولا تحترم من يختبئ خلف تفاهمات مشبوهة ليبرر خيانته. كركوك ستبقى كوردستانية بهويتها وتاريخها وأهلها، أما المساومون ومؤيدوهم،إن كانوا في كوردستان أو العراق أو الجوار فستسقط صفقاتهم قبل أن يجف حبرها، وسيبقون مجرد هامش عابر في تاريخ مدينة لا تُباع ولا تُشترى.

=========== 18 نيسان 2024 ========== 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…