ماجد ع محمد
من بعض العبارات التي توجَّه عادةً لأبناءٍ هم دون مستوى الآباء فيما يحملون من القيم والخصال والمواقف المشرفة، جاء في كشكول السلف: “نريد تهذيبًا يُعيد إلى ابن هذا الزمان شيم الأقدمين”. ولكن السؤال المطروح هنا هو: يا ترى من الذي سيقوم بمهمة التهذيب وإصلاح الإعوجاج في الابن بعد أن غادر الوالد وغدا ذلك الابن هو الآمر والناهي؟ وكيف يمكن التأثير على الولد وتقويم سلوكه بعد أن استلم عوضًا عن الوالد الراحل دفة القيادة في التنظيم السياسي؟ ومن الذي له القدرة على وضع هذا الولد في قالب التصويب وهو الذي يفرض سلطانه على الجميع في منطقته؟ ولا أحد من أنصار حزبه يجرؤ على نقده أو مكاشفته أو فضح عثراته المتكررة، فكيف سيستطيعون تصليح أخطائه أو جعله يُعيد النظر في سلوكياته ويراجع مواقفه الكارثية؟ بينما هو الحاكم الفعلي لمدينة السليمانية، ومنذ أن تبوَّأ موقع الأب في البيت والحزب وهو يتصرف على خلاف ما كان عليه الوالد.
وكمثال حي على ذلك الاختلاف الجوهري بين الأب وابنه، هو أن الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، وأثناء مؤتمرٍ صحفي وردًّا على التهديدات التركية بتسليم قادة حزب العمال الكردستاني PKK، قال جملته الشهيرة التي نطقها في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2007: “لن نسلم حتى قطة كردية”، مؤكدًا رفضه التام لتسليم أي كردي لتركيا في ظل التهديدات التركية وقتذاك، هذا بالرغم من اختلافه السياسي مع ذلك التنظيم، ولكن الرجال مواقف، ومام جلال عبَّر عن موقفه بكل شهامة آنذاك.
بينما الابن، أي بافل طالباني الرئيس الحالي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، فعلى خلاف والده بالضبط فعل ويفعل مع دول الجوار، حيث تفيد المعلومات بأن الجهاز الأمني التابع له أعطى طهران إحداثيات مخيمات ومقرات الأحزاب الكردية في كردستان الشرقية الكائنة في مدينة السليمانية في إقليم كردستان العراق، لتقوم طهران بناءً على تلك المعلومات الاستخباراتية بقصف مقرات تلك الأحزاب، ما أدى لسقوط عدد من الجرحى، من بينهم فتاة تُدعى غزال مولان، والتي كانت إصابتها بالغة الخطورة وفقدت حياتها بسبب عدم منحها العلاج، حيث كان الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قد أعلن أن هجومين بطائرة مسيّرة وصواريخ استهدفا مخيمات ومقار تابعة له في إقليم كردستان العراق، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص بينهم مقاتلتان من البيشمركة، وإصابة آخرين.
إذ إن العمل اللاأخلاقي حيال جرحى القصف الإيراني لا يقتصر على إعطاء الإحداثيات لطهران لكي تقصف مخيمات اللاجئين ومقرات الأحزاب المعارضة لنظام الملالي فحسب، إنما وبحسب ما تم تداوله من قِبل أكثر من جهة أن بطانة بافل طالباني طالبت مستشفيات السليمانية بعدم معالجة جرحى القصف الإيراني، وبالتالي عدم استقبالهم في كل مشافي المدينة، وأن من يستقبل الجرحى ويعالجهم سيتعرض للمساءلة!
كما أن رفض استقبال المقاتلة غزال للتداوي في مشافي المدينة من قِبل سلطات المدينة، وكذلك الأمر رفض مساجدها استقبال جثمانها الطاهر، دليل على أن المسؤول الأول في تلك المدينة بلغ مراقي الإرهاب العام والغطرسة، مستهترًا بالإرث الحضاري لتلك المحافظة بطريقة لاإنسانية فجة تدل على أنه فقد ماء الحياء، وتجاوز كل المحظورات، وآن الأوان للمواطنين هناك الوقوف بوجه هذا المتسبب بالتردي الأخلاقي الذي لا ينسجم مع طبيعة مدينة الثقافة وقيم ناسها.
فمعلومٌ أنه حتى الأسرى في حروب الأعداء يتلقون العلاج اللازم، ويُنقل الجنود الجرحى إلى المستشفيات ومن بعدها يُعاملون معاملة الأسرى، ووفقًا لاتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب “يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، ويحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبب موت أسير في عهدتها، ويعتبر انتهاكًا جسيمًا لهذه الاتفاقية”. هذا إن كان الأمر متعلقًا بمن وقع أسيرًا إبان الاشتباك بين جبهتين متخاصمتين والمعركة بينهما مستمرة، أما أن تمنع مقاتلة من بني جلدتك، تقيم في منطقة نفوذك، على تلقي العلاج في مستشفيات المدينة الواقعة تحت سيطرتك، وكل ذلك كرمى إرضاء عدو أبناء ملتك، فهذا التصرف الأخرق لعمري لا يقوم به إلاَّ عسكري رعديد خانع، أو سياسي انتهازي خسيس، أو عملاء باعوا الضمائر، أما أن تأتي عملية التواطؤ من قِبل كبير الحزب فهذه بحق من الكبائر.