خالد جميل محمد
لا يُقصَدُ بـــصيغة العنوان، جناسٌ لفظيٌّ، أو سَجْعٌ بديعيٌّ، ولا يُراد به تزيينٌ أو زَرْكشةٌ كلاميَّة، بل الحاجةُ، بعد عَصْفِ الذهنِ، وإعمالِ الفكرِ، وتأمُّلِ واقعِ مجتمعنا، في مجالات الثقافة، والأدب، واللغة، والإعلام، والسياسة، قادت إلى هذا النسق من الكلام، في سياق هيمنة النماذج السيئة التي، بدلاً من أن يرفضَها مجتمعُنا ويزيلَها ويقطعَ عليها طريق الانتشار والشيوع والاحتفاء المصطنع، صارتْ مقاييسَ تعكِسُ طبيعةَ شخصيَّتِنا وهُوِيَّتنا اللتين تماهتا كثيراً مع تلك النماذج الزائفة الركيكة، التي صارت هي المعيارَ المفروض بالإكراه غيرِ المُعلَن، فضلاً عن أنها أخذتْ تُزاحِم النماذجَ الأصيلة والبديعة والجيِّدة، ضمن بيئة أصيبَ فيها الذوقُ الجَماليُّ بعَطَبٍ، يتعذّر علاجُه ويستحيلُ رَدُّه في ظلِّ هيمنة الفَساد في كلِّ شيء، بدءاً من حقل السياسة، وانتهاءً بالأخلاق، ومروراً بالثقافة والأدب واللغة.
دون استطرادٍ في موضوع يحتاج إلى أبحاثٍ معمَّقة ودقيقة وشاملة، في هذا التوصيف السريع والمقتضب، وتشخيصِ حالةٍ ثقافية وإبداعية راهنة، وما فيها من إرهاصات ومؤشراتٍ تُؤْذِنُ بهلاكٍ أعظمَ قادمٍ، نتيجةَ خرابٍ جسيمٍ جَلَلٍ، يمكن القول إن النسبة العظمى ممّا يُطبَع ويُنشَر من أوراق مصفوفةٍ تُسمّى، مجازاً وتجاوزاً، كُتباً أو مجموعاتٍ شعريةً أو قصصيةً أو روائيةً أو دراساتٍ أو أبحاثاً، لا علاقةَ لها بأيٍّ من قواعد تلك الفنون والآداب وأصولها وشروط إنتاجِها، وقوانينها الداخلية الخاصة بكلٍّ منها، حتى اختلطَ الأمرُ على الجمهورِ المشاركِ مُعظَمُهُ في هذه الآفاتِ، بالترويج لها والتهليل لأصحابها، فصار يَمنحُ تلك النتاجاتِ الهزيلةَ قَبولاً واستحساناً يفوقان ما تلْقاه إبداعاتٌ حقيقيةٌ جديرة بالقراءة الجادّة والتقدير، لكنها تبقى في هامش الاهتمام، أو قد لا تجدُ لها هامشاً.
فحوى الكلام أنَّ الضَّعفَ الذي تـتَّسمُ به الأغلبيةُ الساحقة من نتاجاتٍ تتصدَّرُ المشهدَ الثقافيَّ الراهنَ، وتُـــــتَــــــسَمّى بالأدب وفروعه المختلفة، وتُنسَب إلى الإبداع، وهي لا علاقة لها بالأدب والإبداع الحقيقيين، شكلاً ومضموناً، وبنيةً سطحيةً وبنيةً عميقةً، وتعبيراً وأسلوباً، وصوغاً لغوياً وتماسكاً وترابطاً، يوحي بوضوح إلى ما آلَتْ إليه حالُنا المنكوبةُ وتَؤولُ من سيِّئ إلى أسوَأ، ومن خرابٍ إلى هلاك ننزلق نحوه، هلاكٍ يستهدف كلَّ القيمِ الجميلةِ التي تتأسس عليها شخصيتنا وحياتنا وأفكارنا.
ذات عُجْبٍ ظننتُ أنَّ صوتي يصلح للغناء، وحين تبيَّن لي خلافُ ذلك، تخلَّيت عن طموحي ذاك، وانتقلتُ إلى الاهتمام بكتابة الشعر تارةً، وكتابة القصص تارة، وبمحاولات الإخراج المسرحي والسينمائي، حتى تبيَّن أني سأخسر الكثير من سنوات عمري ولن أفلح في هذه المجالات أيضاً، فتركتُها للمبدعين فيها، كما تركت السياسة وغيرها مما أدركتُ أني أفتقر إلى عوامل النجاح فيها. والآن أيضاً، لا أدَّعي تفوقاً أو تميُّزاً، ولا أنصِب نفسي وصيّاً على الأدب والثقافة، لكني أتحدث بصفتي قارئاً يميز الأدبَ الجيدَ من الأدب الرديء، وأعلم أن الرداءة، عندنا، مستشريةٌ في رُوح الأدبِ وجسدِه، وصارت مستشرية في عقل قِسم من الجمهور، ومستفحِلةٌ في كثير من تفاصيل حياتنا.
هذا الخراب القائم، وهذه الرداءة المتحكّمة في شؤوننا الثقافية والإبداعية، وهذ الفساد المتغلغل في مختلف جوانب حياتنا، مقدّمات لا رادَّ لها، نحو هلاكٍ حتميٍّ نعيش مؤشراتِه لحظةً بلحظةٍ، ولسنا نمتلك جَسارةَ أن نقول للمشاركين في نشر النتاجاتِ الضعيفة الخالية من أيّ عُمقٍ معرفيٍّ أو لغوي أو أدبي، المقصودة بهذا النقد تحديداً، والمشجّعين عليها، والراضين بها: “كفى”، فما تكتبون من نصوص ليس لها علاقة بالأدب والإبداع واللغة، ما تكتبونه كلامٌ لكنه ليس أدباً.