صلاح بدرالدين
لدينا مشكلة قديمة مركبة عمرها يقارب المائة عام ، زادتها الأنظمة الشوفينية المتعاقبة في النصف قرن الأخير تعقيدا ، من جهة لم تعترف بالكرد وجودا وحقوقا ، ومارست سياسة الإلغاء ، وحرمتهم من تطورهم القومي الطبيعي ، ومن الجهة الأخرى حاصرت الحركة الوطنية الكردية ، وواجهتها بكل الوسائل القمعية ، وأغلقت بوجهها كل الفرص لاستعادة حيويتها ، واستمرارية نضالها وفق الأصول المتعارف عليها في الأجواء الديموقراطية .
عندما لم يتسنى للسلف لاسباب موضوعية منذ عشرينات القرن الماضي ، مرورا بمنتصف الخمسينات النجاح في إيجاد حل ما للمشكلة وبعبارة أوضح للقضية الكردية ، كبرت المشكلة – القضية ، وأضيفت اليها أنواع جديدة من استعصاءات الحركة السياسية بدء من تسعينات القرن الماضي ، من انقسامات ، وتفكك ، وتشرذم ، وتبعية ، مما حولتها الى أزمة مستدامة بعد ان عجز الخلف لاسباب – ذاتية وموضوعية – أيضا عن معالجتها ، وان استمرت على هذا المنوال فنحن على أبواب كارثة .
وبالمحصلة ، وانطلاقا من سياق السردية التاريخية أعلاه ، المتصدية بايجاز شديد ، لتشخيص الأزمة ، ليست لدينا نحن الكرد السورييون حركة قومية وطنية سياسية موحدة ، متعافية في حدودها الدنيا ، فقط لدينا وفرة بأحزاب باتت ( وجه سحارة ) الازمة ، ومانحتاج اليه من اجل حل الازمة والحؤول دون تحولها الى كارثة ، العمل الانقاذي السريع لإعادة بناء حركتنا بالوسائل الديموقراطية ، والجهود الجماعية ، ولدينا الطاقات الفكرية ، والثقافية ، والنضالية ، لتحقيق ذلك ، وهذا يتطلب نوعا من صحوة الضمير من جانب فئة واسعة من متنفذي الأحزاب ، أصحاب المصالح الخاصة المرتبطة والمعتمدة أساسا على استمرارية الأزمة .
أية مقترحات لحل الأزمة من خارج هذه الرؤية الشاملة لن تضيف جديدا بل قد تخلق عقبات – نظرية – على طريق الحل الشامل ، وتحضرني هنا عدة رؤا ولاأقول مشاريع لانها غير متماسكة وتحتاج الى المزيد من الوضوح ، من بينها ١ – الإبقاء على القديم المستهلك ، وإعادة انتاج المشهد الحزبي النافر في الخمسة عشر عاما الأخيرة ويميل الى هذه الرؤية حزبا ( الاتحاد الديمقراطي – الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا ) والرؤية هذه أكثر وضوحا وتقترب من كونها مشروعا قيد الاعداد والتنفيذ بدعم خارجي وليس عبر الاحتضان الشعبي ، او ضغط العوامل الوطنية . ٢ – رؤية أخرى يتداولها بعض الأصدقاء على صفحات التواصل الاجتماعي ، تدعو الى تمحور الأحزاب الراهنة في عدة تيارات ، وتقليص العدد ، من دون توضيح الآليات ، اعتقد ان هذه الرؤية لاتمس جوهر الازمة . ٣ – تصور آخر لايختلف كثيرا عن الرؤية الثانية يرى بضرورة ظهور الخط الثالث ، وكان الحركة الكردية في كامل عافيتها ويتنازعها نهجان فكريان ، لذا وجود طرف ثالث سيكمل المشهد ويوازنه ، أيضا هذا التصور خارج الاطار ولايمس أسباب الازمة ، وهذا يذكرني بادعاءات – ب ي د – انه يمثل الطرف الثالث بين النظام من جهة ، والثورة والمعارضة من الجهة الأخرى ، في حين كان ومايزال جزء من السلطات الحاكمة .
سبق أن طرحنا فكرة التركيز على المشتركات ، والتعايش بين كل التيارات الفكرية ، والسياسية ، والثقافية في اطار الحركة الكردية الموسعة من خلال المؤتمر الجامع وذلك حسب مبدأ ( الاختلاف في اطار الاتحاد ) حيث سيجد الجميع مساحات لتأكيد الذات ، والمنافسة من اجل الأفضل لمصلحة الشعب والوطن .
بقي أن ألفت نظر بعض المتابعين الذين يكتفون بفهم مشروع إعادة البناء من خلال المؤتمر الجامع المطروح منذ تسعة أعوام من جانب ( بزاف ثم ” الحركة الوطنية الكردية ” ) وخضع للتعديل لخمسة دورات ، عبر تصريح او مقالة ، أو لقاء ، حول أمور سياسية يومية معينة ، ثم يختارون مسائل ذات الأهمية الاستراتيجية التي يتضمنها المشروع ولاتتكرر دوريا في التصريحات مثل اهداف ومطالب الكرد ، والعلاقات القومية ، فمعرفة مضامين ، وأهداف المشروع يتطلبان بعض الاطلاع والمواكبة ، ثم ابداء الملاحظات ان وجدت وهو امر مرحب به بكل الاحوال لاغناء المشروع .
وأوضح ان مشروع ” الحركة الوطنية الكردية ” ينطلق في القضية القومية من مبدأ حق تقرير المصير في اطار سوريا الموحدة ، اما الصيغة المناسبة من بين كل الخيارات المعروفة فبانتظار قرار المؤتمر الكردي السوري الجامع ، اما بشأن العلاقات القومية فيؤكد المشروع على ثنائية الانتماء : القومي والوطني ، مع ضرورة التوازن بين الجانبين ، وفي جانبها السياسي فقد ارتبطت تبعية معظم أحزاب الطرفين وللأسف بالبعد الكردستاني على حساب الشخصية الكردية السورية ، واستقلالية القرار ، لذلك لابد من التعامل الحذر مع موضوعة العلاقات القومية بشكلها الراهن ، خاصة وان المحاور الكردستانية – حزبية – ولم تتوافق اطراف الأجزاء الأربعة حتى الان حول صيغة موحدة ، وكما أرى فان علاقات التنسيق ، والعمل المشترك على قاعدة عدم التدخل بشؤون البعض الآخر ، والاحترام المتبادل ، هي الخيار الأمثل بهذه المرحلة ، وقد يحتاج الامر لتحقيق ذلك الى خطوات ، وإجراءات وقائية وقتية .
وأخيرا وليس آخرا أقول ان أزمة الحركة الكردية السورية بدأت منذ عقود ، وقد تجلت جوانبها المخفية أكثر منذ سقوط نظام الاستبداد لانه كان الطرف الفاعل في تعميق الازمة ، وقد تنجلي الزوايا المظلمة أكثر عندما يماط اللثام عن وثائق المنظومات الأمنية ذات الصلة بالملف الكردي السوري .