كوردستان بين اختبار التاريخ وتحديات المرحلة: النهج البارزاني وذاكرة النضال

خالد حسو

تمرّ كوردستان اليوم بمرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، مرحلة لا تحتمل الانقسام بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ عميق بحجم التحديات التي تواجه المشروع القومي الكوردي في جوهره ومعناه ومساره التاريخي.

إنّ القضية الكوردية، عبر عقود طويلة من النضال، لم تكن يومًا مشروعًا عابرًا أو مكسبًا حزبيًا محدودًا، بل كانت ولا تزال قضية شعبٍ يسعى إلى تثبيت وجوده السياسي والوطني والقومي، وصون كرامته، والدفاع عن حقه الطبيعي في الحياة الحرة الكريمة على أرضه التاريخية وحقه في تقرير مصيره.

وفي هذا السياق، برزت المدرسة البارزانية كواحدة من أبرز التجارب النضالية في التاريخ الكوردي الحديث، تجربةٌ لم تُبنَ بالشعارات، بل بالتعب والنضال الدؤوب، وبالسنوات الطويلة من العمل الشاق، وبمسيرةٍ امتدت عبر الجبال والميادين، حيث اختلطت فيها الإرادة بالصبر، والتضحيات بالأمل.

لقد قام هذا النهج على خطٍ وطني وقومي ديمقراطي، سعى إلى ترسيخ مفهوم كوردستان كقضية شعبٍ وهويةٍ ومصير، ولم يفصل يومًا بين النضال القومي والمسؤولية السياسية، بل جمع بينهما في إطارٍ متوازنٍ يعكس تطلعات الشعب الكوردي في الحرية والاستقرار.

ولم يكن الطريق في أي مرحلةٍ سهلًا؛ فقد واجهت هذه المسيرة تحديات قاسية، وضغوطًا متواصلة، وتعقيدات إقليمية ودولية، ومع ذلك استمر هذا النهج في أداء دوره، مستندًا إلى رصيدٍ عميق من التضحيات والعمل المتواصل، وإلى إرادةٍ لم تنكسر رغم قسوة الظروف.

لقد شكّل هذا المسار النضالي ركيزة أساسية في الحفاظ على الكيان السياسي الكوردي في لحظاتٍ مفصلية، وساهم في إبقاء المشروع القومي حيًا، رغم كل ما تعرّض له من اختبارات ومحاولات إضعاف.

وفي المقابل، فإن الواقع السياسي الكوردي اليوم يفرض ضرورة الارتقاء فوق الخلافات الحزبية والقراءات الضيقة، والعودة إلى جوهر القضية: كوردستان كهوية ومصير ومستقبل.

كما أن التجربة التاريخية تؤكد أن هذا المشروع لم يكن يومًا بعيدًا عن الضغوط والتجاذبات، وهو ما يجعل من التماسك الداخلي والتفاهم بين القوى الكوردية عاملًا حاسمًا في حماية المكتسبات وتعزيز الاستقرار.

إن قوة أي شعب لا تكمن في وحدة شعاراته فقط، بل في قدرته على إدارة اختلافاته دون أن يفقد بوصلته الكبرى، وفي قدرته على الحفاظ على مشروعه القومي فوق كل اعتبار.

فالتاريخ لا يرحم التشتت حين تكون اللحظة لحظة بناء، ولا يغفر التفريط حين يكون التحدي بحجم الوطن نفسه.

ولهذا، تبقى المسؤولية التاريخية اليوم مشتركة بين جميع القوى السياسية الكوردية، في أن ترتقي إلى مستوى التضحيات التي بُذلت، وأن تجعل من كوردستان الهدف الأعلى، لا وسيلة للصراع، ولا ساحة لتصفية الحسابات.

فالمشاريع الكبرى لا تُحفظ إلا بالعقل الجمعي، ولا تُصان إلا بوحدة الإرادة، ولا تستمر إلا حين يدرك الجميع أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرّقهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم منذ أكثر من قرن، وما يزال الشعب الكوردي يعيش تداعيات تقسيم جغرافي وسياسي فرضته اتفاقيات دولية رسمت خرائط المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ ذلك التاريخ تحولت كوردستان إلى قضية شعب مقسم بين عدة دول، محروم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، رغم كل التضحيات والانتفاضات التي قدمها عبر مراحل طويلة من التاريخ….

خالد حسو إن أي حديث عن العدالة في الدول المتعددة القوميات والثقافات لا يمكن فصله عن مبدأ الاعتراف بالتنوع، لا بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل كركيزة أساسية لمفهوم المواطنة المتساوية. إن قضية إزالة اللغة الكوردية من يافطة قصر العدل تطرح تساؤلات أعمق حول صورة الدولة في مؤسساتها العامة، ومدى انعكاس التعدد القومي والثقافي في رموزها، لأن الرموز ليست شكلًا إداريًا فقط،…

فيصل اسماعيل لم يعد معبر سيمالكا مجرد نقطة عبور حدودية بين غرب كوردستان وإقليم كوردستان العراق، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى شريان حياة اقتصادي وإنساني واجتماعي لعشرات آلاف العائلات الكوردية على طرفي الحدود. ولذلك فإن رفع الرسوم الجمركية وأجور الشحن والنقل لا يمكن اعتباره قراراً مالياً عادياً، لأن انعكاساته المباشرة تصيب المواطن البسيط قبل أي جهة أخرى. فكل زيادة…

كردستان يوسف   في البدء، كان الفرح تعبيراً جسدياً خالصاً… قبل اللغة و الكلمات، وكان الإنسان القديم يعبر عن بهجته بالقفز والدوران، بالرقص المحموم حول النار، وكانت هذه هي لغة الفرح في أنقى صورها، وطاقة حياة يتم تفريغها بالصوت والحركة واللمس، لتقوية أواصر التجمعات البشرية لإعلان مظاهر الفرح بكل نقاء. ومع تطور المجتمعات، استطاع الإنسان تأطير أساليب تعبيره عن الفرح…