سوريا ساحة مفتوحة… وشعب يدفع الثمن

حسين امين

لم تعد  مأساة سوريا مجرد حرب أو صراع على السلطة، بل تحولت إلى دليل صارخ على إفلاسٍ سياسيٍّ شامل، وانهيارٍ مدوٍّ لكل ما سُمّي يومًا بالأحزاب الوطنية والتقدمية والقومية الاشتراكية. تلك القوى التي ادّعت تمثيل الشعوب لعقود، تلاشت عند اللحظة الحاسمة، وتركت السوريين يواجهون مصيرهم بين براثن الاستبداد والإرهاب والجوع.
إن غياب الفاعل السياسي الحقيقي لم يكن صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لفشلٍ ذريع، وعجزٍ بنيوي، وانقساماتٍ قاتلة، حوّلت النضال الوطني إلى شعارات فارغة، والبوصلة السياسية إلى رهينة للمصالح الضيقة والارتهان للخارج. وهكذا صودِر القرار الوطني، وأصبحت سوريا ساحةً مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، بينما يُدفع الشعب ثمن ذلك من دمه وكرامته ومستقبله.
أما القضية الكوردية، بوصفها جزءًا أصيلًا من معاناة سوريا، فقد تعرضت لانتكاسات عميقة، ليس فقط نتيجة سياسات الإقصاء التاريخية، بل أيضًا بسبب الانقسامات الداخلية وغياب رؤية سياسية موحّدة. إن الشعب الكوردي هو شعب ذو وجود تاريخي راسخ على أرضه، وحقوقه القومية ما زالت محتلة ومُنكرة، الأمر الذي يفرض مسؤولية وطنية وأخلاقية مضاعفة في الدفاع عن هويته وحقوقه المشروعة.
لقد تركت إخفاقات الماضي تراكماتٍ ثقيلة تُثقل كاهل الحاضر، وها نحن نكاد نورّث الأجيال القادمة حملاً أشدّ وطأة من المعاناة والانقسام والضياع.

والسؤال الذي سيواجهنا جميعًا: كيف سنبرر لأنفسنا ولأبنائنا هذا الفشل؟ وكيف سنجيب حين يُسألون لماذا عجزنا عن توحيد الصفوف وصون الكرامة والدفاع عن الحقوق؟
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية فاصلة تتطلب مراجعة شجاعة وصادقة، والاعتراف بالأخطاء، والعمل على إعادة بناء مشروع وطني ديمقراطي مستقل، يستعيد القرار الوطني، ويضمن العدالة والحرية، ويعترف بحقوق جميع المكونات، وفي مقدمتها حقوق الشعب الكوردي كشريك أساسي في مستقبل سوريا.
قد يطول الطريق، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب لا تموت، وأن القضايا العادلة لا تُمحى مهما اشتد الظلم أو طال الزمن.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين كتبنا الكثير، واستمعنا إلى الأكثر منذ عقود وحتى الآن حول قضايا حركتنا السياسية الكردية وأزمتها، ومن دون الحاجة إلى التكرار والمقدمات، وتقديرًا لهذه الظروف الأكثر خطورة في تاريخنا، وانسجامًا مع حقائق التاريخ التي ستبقى كما هي محفوظة إما بالذاكرة القومية الجمعية، أو في الوثائق والكتب والوقائع، وانطلاقًا من دروس الماضي، وضرورات الحاضر، ومتطلبات المستقبل، أرى ما يلي: أولًا…

كلستان بشير الرسول حين تم الاتفاق بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية المؤقتة في دمشق على عملية دمج مؤسسات مناطق الإدارة الذاتية مع مؤسسات الدولة السورية، تضاربت الأقوال حول طبيعة ذلك الاندماج الذي تم بينهما. فمن جهة، تزعم الإدارة الذاتية بأنها حققت إنجازات كبيرة، حيث سيظل كل شيء على ما هو عليه، أي إن جميع مؤسسات الدولة ستظل بيد الإدارة الذاتية،…

خالد بهلوي الخلافات الحزبية، سواء كانت تنظيمية أو فكرية أو سياسية، حالة غير صحية؛ لكنها أصبحت طبيعية مع تكرارها بشكل دوري. أمّا غير الطبيعي فهو أن تنزل هذه الخلافات إلى الشارع، وتتصدر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصدر كل طرف بيانات يوضح فيها وجهة نظره، ويتهم بشكل غير مباشر الطرف الآخر بأنه السبب فيما وصلت إليه الخلافات. ومن الطبيعي…

كفاح محمود منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة، ومع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن. المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي…