لجانُ تحقيقٍ أم مسكناتٌ مخدِّرة؟

كفاح محمود

  منذ سنوات، لا تتعرض كوردستان لاعتداءات متفرقة يمكن وضعها في خانة الحوادث الطارئة، بل لما يشبه حربًا معلنة على أمنها ومدنها واقتصادها وحق أهلها في حياة آمنة ومستقرة، ومع كل هجوم، يتكرر المشهد الرسمي نفسه: إدانة باردة، لجنة تحقيق، ثم صمت كثيف يبتلع القضية ويطمرها كأنها لم تكن.

  المشكلة لم تعد في الفصائل وحدها، بل في الدولة التي تعرف وتراقب وتسمع، لكنها تتصرف كأنها آخر من يعلم، فالمعتدون ليسوا أشباحًا مجهولين، بل جماعات معروفة الأسماء والمسارات والولاءات، ومع ذلك، لا أحد يُسمّي، ولا أحد يُحاسب، ولا أحد يضع حدًا لهذا العبث الذي تجاوز منذ زمن حدود الاستفزاز إلى تهديد مصالح البلاد العليا والأمن والسلم المجتمعي.

  ولم تكن حكومة الإقليم، في كل مرة، تندفع إلى التصعيد، بل كانت، حرصًا على ألّا تتحول مغامرات هؤلاء الحمقى إلى احتراب داخلي، تعود إلى الحكومة الاتحادية وتطالبها بأن تقوم بواجبها، بوصفها المرجع التنفيذي الأعلى، والأقرب إلى هذه المجموعات، والأعرف بها وبنواياها، كانت تدعوها إلى ردع أعمال لا تستهدف الإقليم وحده، بل تضرب هيبة الدولة نفسها، لكن بلا جدوى، ولهذا لم يعد غريبًا أن يتحول مزاج الشارع الكردي من خيبة الأمل إلى السخرية المرّة من ردود فعل بغداد، بل إلى اتهامٍ علني لها بأنها إمّا شريكة بالصمت، أو متغاضية عمدًا، أو خائفة من أن تقترب من الفاعلين.

  وهكذا لم تعد لجان التحقيق، في وعي الناس، أداة لكشف الحقيقة، بل وسيلة لدفنها، تُفتح اللجنة في الصباح، وتُدفن القضية في المساء، كأن الغرض من الإجراءات ليس العدالة، بل امتصاص الغضب وتمييع المسؤولية حتى يبهت كل شيء.

  العراقيُّون اختصروا هذا البؤس كله بمثل شعبي بالغ القسوة والذكاء:

“لا تطلب الدبس من النمس”.

  فليس من المنطقي أن تطلب الحسم ممن لا يريده، ولا الحماية ممن يرتبك أمام من يفترض أن يردعهم، ولا العدالة ممن يكتفي بإدارة الجريمة بدل إنهائها.

  بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال: من يقصف؟ بل: لماذا لا يُعاقَب من يقصف؟ ولماذا تُترك كوردستان تحت هذا الاستهداف المزمن، فيما تُدار المأساة بلجان بلا أسنان؟ عندئذ لا يعود المثل الشعبي سخرية عابرة، بل يصبح حكمًا سياسيًا موجعًا: من يطلب الحسم من غير أهله، فلن يحصد إلا الخيبة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في ربيع عام 2004، بعيد انتفاضة آذار الكردية، بدأت أغلبية أطراف الحركة الوطنية الكردية تزعم أنها تسعى جديا لتأسيس إطار سياسي يكون مرجعية للكرد السوريين، يحدد ماهية القضية الكردية وعلاقة الحركة الكردية بالقوى الوطنية في البلاد، على أن يعمل هذا الإطار على تضافر جهود مختلف الأحزاب المنضوية فيه لتنظيم وتعبئة جميع شرائح المجتمع الكردي، والمساهمة في إحداث التغيير…

د. محمود عباس فهذا الشاهد من الدلائل اللافتة على الحضور الكوردي في البنية العسكرية للإمبراطورية الساسانية. فقد أورد الشاعر الجاهلي عدي بن زيد، المولود نحو سنة 550م والمتوفى نحو سنة 600م، وصفًا للجيوش الساسانية التي أرسلها كسرى أنوشروان، في أواخر عهده، إلى اليمن لدعم سيف بن ذي يزن وطرد الاحتلال الحبشي. وتُؤرَّخ هذه الحملة غالبًا في حدود سنة 570م، ضمن…

ماهين شيخاني 1. بعد عام 2011، لم تكن المفاجأة الكبرى هي سقوط الأنظمة، بل كانت مفاجأة أخرى، أشد ألماً وإيلاماً: سقوط الحركة الكوردية في فخها الخاص. كانت البدايات واعدة. ثمة فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الكوردي، لانتزاع الحقوق التي طال انتظارها، ولوضع حدٍّ لسنوات من التهميش والإقصاء. لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأساً على عقب. لم تكن القضية بحاجة إلى…

أمل حسن تتجاوز المرأة الكردية في حضورها الملامح التي صاغتها الطبيعة من طهر الثلوج وصلابة الصخور، لتكون هي حكاية نضال ممتدة من بيوت الطين وجبهات الصمود إلى ساحات الثقافة والمهرجانات. هي التي تحمل في عينيها بريق الحرية، وفي خطواتها شموخ الجبال. عندما تسير في الساحات، لا تمشي كأي امرأة؛ بل تحمل في عباءتها عبق التاريخ، وفي ثوبها الفلكلوري الملون ثورة…