لوند حسين*
أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل الحقيقي.
في ظاهر الخطاب، يتكرر الحديث عن «المؤتمر الكُردي السوري الجامع» بوصفِهِ أُفقاً جامعاً لكُل القوى والتيارات؛ غير أنَّ التدقيق في مضمون التصريح، ولا سيما في النقطة السادسة، يكشُف بوضوح أنَّ ما يُطرح ليس مشروعاً جامعاً بقدر ما هو محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة السياسية بصيغة جديدة، دون امتلاك الحد الأدنى من الحضور الجماهيري الذي يؤهل أصحابه للحديث بهذه النبرة.
تقول المُتحدثة إنهم «يدعون إلى تنظيم العلاقة والتنسيق مع كل من يساند المشروع»، لكن هذا الانفتاح الظاهري يتراجع سريعاً أمام لغة التحذير والتهديد الصريح من «تشويه المشروع» أو «تجاهل مصدره ووثائقه»؛ وهنا يبرُز التناقض الجوهري: كيف يمكن لمشروع يدّعي صفة (الجامع)، أن يواجه أيّ مُقاربة مختلفة أو قراءة نقدية لا تروق لّهُم بمنطق التحذير والوصاية؟
الأخطر من ذلك، أن الخطاب يُضفي على المشروع الميت أساساً طابع «المُلكية السياسية»، وكأن الجهد التنظيمي المحدود والمحصور ضمن دائرتِهُم، يمنح أصحابهُ حقاً حصرياً في تعريفه وتحديد مساراته؛ وهذا منطق يتناقض جذرياً مع فكرة المؤتمر الجامع، التي تقوم أساساً على الشراكة والتعددية، لا على الاحتكار، وفي الواقع أن هذا المشروع، منذُ طرحه، لم يتجاوز دائرة ضيقة من القائمين عليه، الذين لا يتعدون سوى عدداً محدوداً ومعروفين لدينا؛ ما يجعل الحديث عن (مشروع وطني جامع) أقرب إلى الادعاء منهُ إلى الواقع.
وإذا ما وضعنا هذا الخطاب في سياقهِ التاريخي، نجد أنَّهُ ليس جديداً على الحياة السياسية الكُردية؛ إذ يستحضر الذاكرة السياسية مُباشرة تجربة حزب العُمال الكُردستاني في تسعينات القرن الماضي، حين دعا إلى عقد المؤتمر القومي الكُردستاني، لكنّهُ ربط المشاركة فيه بشروط مُسبقة، أبرزها تبنّي هدف «تحرير واستقلال كُردستان» وخيار الكفاح المُسلح؛ وحين انعقاد مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات، تتحوّل – على الفور – من مساحة جامعة إلى إطار موجّه سلفاً وفق رؤية أيديولوجية محددة، لا يستوعب إلا من يلتزم بها.
اليوم، يُعاد إنتاج المنطق ذاته، ولكن بأدوات مختلفة: بدل فرض الالتزام الأيديولوجي المُباشر، يجري فرض «مرجعية المشروع» والتحذير من الخروج عنها؛ لتكون النتيجة واحدة: تضييق الفضاء السياسي، وتحويل أي مؤتمر مُفترض إلى منصة تصديق، لا ساحة حوار حقيقي.
من هنا، فإن الإصرار اليوم على تقديم مشروع مُحدد سلفاً، والتحذير من أي محاولة لإعادة تعريفِهِ، لا يعكُس قوة سياسية، بقدر ما يكشف عن قلق عميق من فُقدان السيطرة على مسار المُبادرة.
الأهم من ذلك، أنَّ الادعاء بأنَّ هذا المشروع يحظى بتأييد «الأوساط الواسعة» يفتقر إلى أي سند واقعي؛ فالحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن القائمين على هذا المشروع لا يمثلون سوى دائرة ضيقة للغاية، لا تتجاوز أعدادهُم أصابع اليدين، في مُقابل غياب واضح لأي حاضنة جماهيرية فعلية؛ وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً:
كيف يمكن لمشروع يفتقر إلى الامتداد الشعبي أن يدّعي تمثيل قضية شعبٍ بأكملِهِ؟
إنَّ المشكلة هنا لا تكمُن فقط في مضمون المشروع، بل بطبيعة الذهنية التي تقف خلفه؛ ذهنية تميل إلى الوصاية بدل الشراكة، وإلى فرض التصورات بدل إنتاجها جماعياً.
وفي هذا السياق، يبرز تناقض إضافي آخر حين قام أصحاب هذا الطرح بوصف مؤتمر وحدة الموقف والصف الكُردي (نيسان 2025) بالفاشل، مُطالبين القائمين عليهِ بتقديم اعتذار للشعب الكُردي، ومتهمين إياه بتعميق الخلافات وتكريس التبعية؛ وهو موقف يعكس نزعة إقصائية واضحة، لا تنسجم مع أي خطاب يدّعي السعي إلى بناء مشروع كُردي (سوري) جامع.
إن المؤتمر الكُردي الجامع، إن أُريد لهُ أن يكونَ جامعاً حقاً، لا يمُكن أن يُبنى على التحذيرات والتهديدات، ولا على احتكار المرجعية، ولا على تضخيم تمثيل لا وجود لهُ في الواقع؛ بل ينبغي أن يكونَ فضاءً حُراً، يُدعى إليها جميع القوى السياسية كما جرى بمؤتمر وحدة الموقف والصف الكُردي في نيسان 2025، وتُطرح فيهِ كل المشاريع دون وصاية، وتُختبر فيه الشرعيات عبر التوافق، لا عبر البيانات.
وغير ذلك، لن يكون المؤتمر سوى إعادة إنتاج لأزمات الماضي، ولكن بلغة جديدة.
ألمانيا: 11 نيسان 2026
* كاتب وصحفي كُردي