كيف نحكم على الأحزاب داخل المجتمع الكردي؟ (بين الاتهام والدفاع)

فواز عبدي

كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي.

فمن البديهي أن أي حزب سياسي –في أي مكان- لن يعلن يوماً أنه تابع لدولة ما أو يعمل لخدمة أجندتها –إلا فيما ندر-. فكل حزب يقدم نفسه دائماً ممثلاً للشعب، ومدافعاً عن قضيته، وبأنه يسعى إلى تحريره. لذلك فإن الاعتماد على التصريحات والبيانات الرسمية وحدها لا يمكن أن يكون معياراً كافياً للحكم على طبيعة أي تنظيم سياسي، خصوصاً في واقع كردي معقد تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الانقسامات الداخلية، وتفرض فيها القوى المحيطة شروطها على كل نشاط سياسي أو عسكري.

لهذا يصبح الطريق الأكثر موضوعية هو العودة إلى تاريخ الحزب ومساره العملي، لا إلى ما يقوله عن نفسه. فالحكم لا يكون عبر الشعارات، بل عبر الأفعال والنتائج المتراكمة. والأسئلة الأساسية لأي مراقب محايد في أي تحليل سياسي جاد هي:

–    في مصلحة من تصب نتائج هذا العمل أو ذاك؟

–    ما الأثر الفعلي لهذا التنظيم على المجتمع؟

–    هل وسّعَ المجال السياسي أم ضيَّقه؟

–    هل عزز قوة المجتمع أم أضعفه؟

–    هل بنى مؤسسات أم احتكرها؟

–    هل فتح الباب أمام التعددية أم أغلقه؟

–    هل حافظ على النسيج الاجتماعي أم ساهم في تمزيقه؟

عندما مراجعة مسار أي حزب، ينبغي النظر إلى عدة عناصر: تحالفاته، صراعاته، مواقفه في اللحظات المفصلية، والنتائج التي ترتبت على نشاطه السياسي أو العسكري. ومن خلال مقارنة الأهداف التي يعلنها الحزب مع ما تحقق فعلياً على الأرض، يمكننا أن نكوّن صورة أقرب إلى الحقيقة.

وفي الحالة الكردية لا تكمن المشكلة فقط في “النتائج السياسية” بمعناها التقليدي، بل في النتائج الاجتماعية التي تمس حياة الناس مباشرة. فالتنظيم الذي يرفع شعارات كبيرة غير قابلة للتحقيق أو شعارات لا تتلاءم مع المرحلة، قد يترك خلفه آثاراً عميقة على المجتمع، سواء عبر فرض خطاب واحد أو إقصاء الأصوات المختلفة، أو تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي!

وإذا كانت نتائج نشاطه تؤدي بصورة متكررة إلى إضعاف المجتمع الكردي أو تفكيك وحدته الوطنية، أو إلى تعزيز نفوذ قوة إقليمية على حساب التعددية الكردية، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة خياراته. أما إذا كانت ممارساته تتوافق مع الأهداف الوطنية التي يعلنها، وتخدم فعلياً قضايا شعبه، فإن الاتهامات بالعمالة تصبح أقرب إلى أدوات صراع داخلي منها إلى تحليل موضوعي.

إن النقاش الصحي حول المجتمع الكردي، وكذلك الأحزاب السياسية، لا ينبغي أن يتحول إلى تبادل للاتهامات أو إلى دفاع عاطفي غير نقدي، بل إلى قراءة هادئة لتاريخها وأفعالها ونتائجها. فالحقيقة السياسية لا تُعرف من خلال الشعارات الكبيرة، بل من الأثر الذي تتركه هذه الأحزاب في حياة الناس، وفي مستقبل مجتمع يسعى منذ أكثر من قرن إلى بناء وحدته ونيل حريته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…