لماذا نعى “الكردستاني” يالجين كجوك؟

نورالدين عمر 
البيان الذي صدر باسم المنظومة الكردستانية حول يالجين كجوك كان، في الحقيقة، لافتا وربما مستغربا إلى حد ما. فهذا الرجل يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد السياسي والفكري التركي. 
عرف يالجين كجوك كأكاديمي ومؤرخ وكاتب ومنظر سياسي يساري، وقد ولد عام 1938 وتوفي في 6 أبريل 2026.
اشتهر كجوك بجرأة آرائه وتقلب مواقفه، وانخراطه العميق في القضايا الحساسة داخل الدولة التركية، وعلى رأسها القضية الكردية. ففي مرحلة من حياته، وبصفته منظرا اشتراكيا، رأى في النضال الكردي فرصة لإحداث تغيير جذري في بنية الدولة والمجتمع. غير أن مسيرته انتهت به إلى موقع مغاير تماما، حيث تبنى خطابا قوميا كماليا متشددا، واعتبر الحركة الكردية في شمال كردستان تهديدا مباشرا لوحدة الجمهورية.
ومنذ بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، شهدت مواقفه تحولا حادا، إذ انتقل من موقع الحليف إلى موقع الخصم، ليصبح من أبرز المنتقدين للحركة الكردية. ولم يكتف بالنقد، بل تبنى سرديات تقترب من الخطاب القومي التركي العلماني، معتبرا أن هذه الحركة لم تعد تعبر عن مشروع تحرري، بل تحولت، بحسب رأيه، إلى أداة بيد قوى خارجية.
وفي سنواته الأخيرة، كرر كجوك اتهاماته بأن حزب العمال الكردستاني والمجموعات المرتبطة به، بما فيها وحدات حماية الشعب في شمال وشرق سوريا، قد انحرفوا عن مسار التحرر الوطني الاشتراكي، وأصبحوا جزءا من مشروع تديره الولايات المتحدة والغرب. 
كما رأى أن مشروع روج آفا لا يمثل مشروعا كرديا خالصا، بل يندرج ضمن ترتيبات إقليمية تخدم مصالح دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
أمام هذا التاريخ الحافل بالتقلبات والمواقف الحادة، يبرز التساؤل: ما الذي يفسر صدور بيان عزاء بحقه من جهة كان يهاجمها بشدة حتى آخر أيامه؟
قد يكون الجواب مرتبطا بطبيعة الثقافة السياسية لدى المنظومة، وربما أرادت الجهة التي نعت كجوك أن تميز بين خلافها معه في مواقفه المتأخرة، وبين دوره السابق كأحد المنظرين الذين تعاملوا، في مرحلة ما، مع قائد الحركة الابوجية.
في النهاية، يظل يالجين كجوك نموذجا لشخصية فكرية معقدة، تعكس تحولات عميقة شهدتها تركيا والمنطقة خلال العقود الماضية. وبين مواقفه المتناقضة، يبقى الجدل حوله مستمرا، حيا حتى بعد رحيله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شكري بكر أظن أن جميع مكونات المجتمع السوري يتمتعون بإرادة وطنية بإستثناء المكون العربي منه ، لإدعا بأنه يشكل الغالبية العظمى من المجتمع السوري ، وهذا خطأ يقع فيه المكون العربي . لو عدنا إلى تاريخ القديم نرى بأن الوجود التاريخي لمكون العربي في المنطقة بجانبه القومي والديني لم يذكر في السجلات التاريخية . لدى البحث نرى بأن العنصر العربي…

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…