إيران بعد الاستنزاف

عدنان بدرالدين

القراءة السابقة في ضوء التطورات

في القراءة التي سبقت هذه المرحلة، لم تكن الفكرة الأساسية أن النظام الإيراني قوي، ولا أن خصومه عاجزون، بل إن المواجهة نفسها كانت تتحرك داخل معادلة تمنع الحسم الكامل. كان المعنى أن إيران تمثل نموذجًا لنظام يعاني ضعفًا بنيويًا واضحًا، لكنه لا يسقط بسهولة، وأن الضغط العسكري والاقتصادي مهما اشتد لا يتحول تلقائيًا إلى نتيجة سياسية نهائية. ومن هنا جاءت الفكرة المركزية: ما بدا سلسلة أزمات متلاحقة لم يكن مجرد توتر عابر، بل نمطًا قائمًا بذاته، قوامه استنزاف مُدار، لا حرب تُنهي الصراع، ولا دبلوماسية تُنتج تسوية مستقرة.

ما جرى بعد أواخر مارس لم ينسف هذه القراءة، بل وضعها أمام امتحان أكثر قسوة. فقد اتسعت الضربات، وارتفعت الكلفة، ودخل مضيق هرمز في قلب الأزمة، وتعقدت شروط التهدئة بسبب تداخل الجبهة اللبنانية مع المسار الأمريكي الإيراني، ومع ذلك لم يؤدِّ هذا كله إلى انهيار النظام الإيراني، كما لم يفضِ إلى تسوية مكتملة. الذي حدث هو أن الصراع صعد إلى مستوى أعلى، لكنه ظل محكومًا بالمنطق نفسه: ضغط كبير بلا نتيجة حاسمة، وتهدئة هشة بلا حل نهائي.

وهذا يعني أن القراءة السابقة أصابت في نقطة جوهرية: المشكلة لم تكن في قياس حجم القوة وحده، بل في فهم حدود فعاليتها السياسية. فإيران لم تُظهر أنها قوة قادرة على قلب الموازين بقدر ما أظهرت أنها ما زالت تمتلك ما يكفي لتعطيل المسار المضاد ورفع كلفته. وفي المقابل، لم تُظهر الولايات المتحدة وإسرائيل عجزًا عن الإيذاء، بل عجزًا عن ترجمة الإيذاء إلى ترتيب نهائي مستقر. بذلك لم يعد السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على الضرب أكثر؟ بل: من يملك القدرة على تحويل التصعيد إلى نهاية سياسية قابلة للحياة؟

من الاستنزاف إلى حافة التصعيد

المرحلة الراهنة تكشف أن الاستنزاف لم يعد منخفض الوتيرة كما بدا في بعض المحطات السابقة. لقد انتقل إلى طور أكثر حدة، بحيث صار يلامس حافة الحرب الواسعة من دون أن يتحول إلى حرب حاسمة. هذا التحول ظهر بوضوح في مسألة مضيق هرمز، التي خرجت من موقع الورقة الضاغطة إلى موقع العقدة المركزية في الأزمة. فحين يبقى واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة معطلًا أو شبه معطل، تصبح المواجهة أبعد من كونها اشتباكًا سياسيًا أو أمنيًا بين أطراف إقليمية؛ إنها تتحول إلى أزمة ذات أثر مباشر في الاقتصاد العالمي وحسابات القوى الكبرى.

في هذا السياق، يبدو الموقف الأمريكي محكومًا بتناقض واضح. واشنطن تريد إظهار القدرة على فرض الشروط ومنع إيران من تثبيت وقائع جديدة في هرمز، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي انزلاق إضافي قد يوسّع الخسائر الاقتصادية ويجعل الحرب عبئًا سياسيًا واستراتيجيًا أعلى من قدرتها على تسويقه. لذلك لا تبدو التهدئة الحالية تعبيرًا عن اختراق دبلوماسي بقدر ما تبدو محاولة لاحتواء نتائج التصعيد السابق، ومنعها من التحول إلى أزمة أطول زمنًا وأوسع أثرًا. حتى اللغة الأمريكية نفسها، حين تتحدث عن إعادة فتح المضيق “قريبًا”، لا توحي بترتيب مستقر بقدر ما توحي بإدارة أزمة ما زالت مفتوحة.

أما الساحة اللبنانية، فقد أكدت أن الصراع لم يعد قابلًا للفصل السهل بين مسار وآخر. فإيران دخلت المفاوضات وهي تربط أي وقف جدي للنار بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، بينما تتحرك الولايات المتحدة ضمن تصور لا يمنح لبنان هذا الموقع داخل التفاهم نفسه. وهذا التباعد لا يعكس مجرد خلاف تفاوضي، بل يكشف أن المواجهة باتت متعددة الطبقات، بحيث يصعب تهدئة ملف من دون أن ينفتح ملف آخر. ومن هنا فإن كل هدنة جزئية تبدو معرضة للاهتزاز، لأن الإطار السياسي الذي يربط الساحات المختلفة ما زال غائبًا أو متنازعًا عليه.

وفي هذا الإطار أيضًا، ينبغي التدقيق في ما جرى في ضربة 9 أبريل في بيروت. فالمؤكد في الصياغات الأدق المتداولة أن إسرائيل أعلنت قتل علي يوسف حرشي، بصفته ابن شقيق نعيم قاسم وسكرتيره الشخصي وأحد أقرب مساعديه. والدلالة الأهم هنا لا تتعلق بالاسم وحده، بل بأن الضربات النوعية استمرت في لبنان حتى خلال لحظة يفترض أنها تتجه إلى التهدئة، بما يؤكد أن الهدنة لم تمس بنية الصراع، بل جمّدت جزءًا منها فقط.

أفق الأزمة وحدود الحسم

إذا كان هذا هو الوضع الراهن، فإن أفقه لا يبدو متجهًا إلى خاتمة سريعة. الاحتمال الأقرب هو استمرار مرحلة وسطى مضطربة، لا هي عودة كاملة إلى الحرب المفتوحة، ولا هي انتقال فعلي إلى تسوية. قد تستمر المحادثات لأن جميع الأطراف تحتاج إلى وقت إضافي، وقد تتسع الخروقات لأن التناقضات الجوهرية لم تُحل، وقد يظهر تفاهم جزئي في مسائل عملية كالملاحة أو تخفيف بعض الضغوط، لكن من الصعب حتى الآن رؤية تسوية شاملة تعالج أصل الأزمة. فالمحادثات الجارية نفسها انطلقت وسط توقعات أمريكية منخفضة، وخلافات جدية حول لبنان والعقوبات وهرمز، لا وسط أرضية توافقية صلبة.

لهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس هل أخطأت القراءة السابقة، بل هل أصبحت بحاجة إلى تطوير. والجواب هو نعم، ولكن تطويرًا لا نقضًا. فقد كان وصف الصراع بأنه استنزاف مُدار صحيحًا، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الوصف لم يعد كافيًا وحده. فالمواجهة انتقلت إلى طور أشد توترًا، يمكن وصفه بأنه اقتراب مُدار من الحافة. أي إن الاستنزاف ما زال قائمًا، لكنه لم يعد يتحرك فقط في مستوى الضغط المزمن البطيء، بل صار يمر عبر قفزات أكبر، أعلى كلفة، وأضيق هامشًا للخطأ، من دون أن ينتج مع ذلك حسمًا نهائيًا.

بهذا المعنى، لا تبدو إيران قوةً خرجت من المواجهة وهي تحتفظ بموقع مريح أو بكلفة محتملة للاحتواء. لقد تكبدت خسائر جسيمة يصعب تعويضها سريعًا، لكن هذه الخسائر، على فداحتها، لم تتحول حتى الآن إلى حسم سياسي نهائي لمصلحة خصومها. وما تكشف هو أن الحرب، حين تبلغ هذا المستوى من التشابك، قد تفشل حتى في أداء وظيفتها التقليدية. فهي لا تُسقط النظام، ولا تُنتج البديل، ولا تُغلق الصراع، بل تعيد تشكيله في صورة أكثر توترًا وتكرارًا. ومن هنا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى انتقال من إدارة الاستنزاف إلى إدارة الحافة: طورٌ تظل فيه الأزمة قابلة للضبط، ولكن بصعوبة متزايدة، وتظل فيه كل تهدئة مؤقتة معرضة لأن تتحول إلى مجرد استراحة قصيرة داخل نزاع لم يعثر بعد على حدوده النهائية.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فواز عبدي كثيراً ما يدور الجدل في الساحة السياسية حول اتهام حزب ما بالعمالة أو التبعية لجهة خارجية، بينما يسارع أنصاره إلى نفي ذلك بشدة واتهام الطرف الآخر أو حتى الناقد الحيادي بالخيانة. غير أن المشكلة في هذا السجال أنه غالباً ما يبقى أسير الشعارات والانطباعات، بدل أن يستند إلى منهج يساعد المجتمع على فهم ما يجري وتقييمه بوعي. فمن…

لوند حسين* أدلت السيدة گوهَر حيدر، المتحدثة باسم الهيئة المرحلية للحركة الوطنية الكُردية (بزاڤ)، بتاريخ 4 نيسان 2026، بتصريحٍ أعقب الاجتماع السابع بعد المائة لهيئتهم، وهو تصريح يثير كثيراً من الشفقة والاستغراب، ولا يمكن التعامل معه بوصفهِ مُجرد اجتهاد سياسي عابر؛ إذ يعكُس في جوهره أزمة عميقة في فهم معنى العمل الوطني الكُردي الجامع، وحدود الشرعية السياسية، وآليات إنتاج التمثيل…

نورالدين عمر البيان الذي صدر باسم المنظومة الكردستانية حول يالجين كجوك كان، في الحقيقة، لافتا وربما مستغربا إلى حد ما. فهذا الرجل يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد السياسي والفكري التركي. عرف يالجين كجوك كأكاديمي ومؤرخ وكاتب ومنظر سياسي يساري، وقد ولد عام 1938 وتوفي في 6 أبريل 2026. اشتهر كجوك بجرأة آرائه وتقلب مواقفه، وانخراطه العميق…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* بدأت موجة من الإعدامات في إيران، وفي كل يوم يُعدم عدد من أبطال الشعب علناً أو سراً على يد حرس القضاء التابع للنظام الإيراني الوحشي. لماذا؟ وما هي رسالة دمائهم؟ إن النظام الديني الحاكم في إيران أسس بنيانه منذ البداية على إقصاء الآخرين، ولم يغفل للحظة عن هذا المبدأ الأساسي؛ حتى في خضم حروبه مع الآخرين أو…