خالد حسو
ليست مسألة الهوية في منطقتنا مجرد نقاش ثقافي، بل هي قضية حقوق إنسان في جوهرها. حين يقول الكوردي أو السرياني أو الآشوري أو الأرمني: “لسنا عربًا ولا نعادي العرب”، فهو لا يطرح موقفًا عدائيًا، بل يعبّر عن حق أصيل في التعريف الذاتي، وهو حق تكفله المبادئ الحديثة لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
أولًا: الهوية كحق من حقوق الإنسان
تؤكد المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان أن لكل فرد، ولكل شعب، الحق في الحفاظ على هويته الثقافية والقومية واللغوية. وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على كرامة الإنسان وحريته في الانتماء، كما أكدت المواثيق الدولية اللاحقة على حقوق الأقليات والشعوب الأصلية في الحفاظ على ثقافاتها ولغاتها.
الهوية ليست خيارًا إداريًا تمنحه الدولة أو تسحبه، بل هي حق طبيعي يولد مع الإنسان. وأي محاولة لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد تُعد، وفق المعايير الحقوقية الحديثة، إشكالية جدية تتطلب المراجعة والمعالجة.
ثانيًا: حق تقرير المصير في القانون الدولي
يُعد حق تقرير المصير من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، وقد ورد بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وينص هذا الحق على أن:
«”لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تقرر بحرية وضعها السياسي، وتسعى بحرية لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.”»
وبالنسبة للشعب الكوردي، فإن هذا الحق لا يُفهم بالضرورة على أنه دعوة للانفصال، بل يمكن أن يُترجم ضمن أطر متعددة، مثل: الاعتراف القومي، حماية اللغة والثقافة، توسيع المشاركة السياسية، وتطوير صيغ حكم تضمن تمثيلًا عادلًا.
كما يجدر التأكيد أن القانون الدولي، في ممارسته الواقعية، يوازن بين حق تقرير المصير ومبدأ وحدة أراضي الدول، ما يجعل الحلول التوافقية الداخلية أكثر قابلية للتطبيق والاستدامة.
ثالثًا: الكورد في سوريا بين القانون والواقع
تعرض الكورد في سوريا لانتهاكات واضحة، من أبرزها سحب الجنسية عام 1962، وما تبع ذلك من تهميش ثقافي وسياسي. ورغم إعادة الجنسية لاحقًا، إلا أن هذه الخطوة لم تشمل الجميع، ما أبقى شريحة من الكورد خارج الإطار القانوني الكامل، كما أن الاعتراف القانوني لم يترافق دائمًا مع اعتراف فعلي بالهوية القومية.
من منظور حقوقي، لا تكتمل المواطنة بمجرد الصفة القانونية، بل تتطلب مساواة فعلية، واعترافًا بالهوية، وضمان القدرة على التعبير عنها بحرية وأمان.
رابعًا: التعدد القومي وإدارة التنوع
سوريا، كغيرها من دول المنطقة، تضم تنوعًا قوميًّا وثقافيًّا ولغويًّا واسعًا. وفي مثل هذه المجتمعات، فإن إدارة هذا التنوع تتطلب مقاربات عادلة تضمن المساواة والاعتراف.
لقد أظهرت تجارب مختلفة أن تجاهل التعدد أو تقليصه قد يؤدي إلى توترات مستمرة، في حين أن الاعتراف به وإدارته ضمن أطر قانونية عادلة يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار وبناء الثقة بين مكونات المجتمع.
خامسًا: الفيدرالية كأحد النماذج الممكنة
في هذا السياق، يُطرح النظام الفيدرالي الديمقراطي كأحد النماذج التي استخدمتها دول متعددة القوميات لإدارة التنوع. الفيدرالية لا تعني بالضرورة التقسيم، بل تقوم على توزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، بما يسمح بقدر من الإدارة الذاتية ضمن دولة واحدة.
ومع ذلك، تبقى الفيدرالية خيارًا من بين عدة خيارات، ويعتمد نجاحها على:
– التوافق المجتمعي
– الضمانات الدستورية
– طبيعة التطبيق العملي
وفي جميع الأحوال، فإن الهدف ليس فرض نموذج محدد، بل البحث عن صيغة تحقق العدالة والاستقرار وتحظى بقبول مختلف المكونات.
سادسًا: نحو مقاربة قائمة على الاعتراف المتبادل
السلام المستدام لا يتحقق فقط بغياب الصراع، بل بوجود العدالة. والعدالة، في المجتمعات المتعددة، تبدأ بالاعتراف المتبادل بين المكونات.
“لسنا عربًا ولا نعادي العرب” يمكن فهمها في هذا الإطار: ليست نفيًا للآخر، بل تأكيدًا للذات، ودعوة لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الذوبان أو الإقصاء.
إن أي مقاربة مستقبلية ناجحة تحتاج إلى:
الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي، ضمان المساواة القانونية والفعلية، فتح المجال لحوار وطني شامل، البحث عن صيغ حكم تعكس واقع المجتمع.
إن بناء دولة عادلة ومستقرة لا يقوم على إنكار الاختلاف، بل على إدارته بشكل عادل ومتوازن. فالدولة التي تعترف بجميع مكوناتها، وتمنحها مكانتها المستحقة، تكون أكثر قدرة على تحقيق السلام والاستمرار.