في أزمة ” الأحزاب ” الكردية والسبيل الى حلها

صلاح بدرالدين

لم اكن انتظر حدوث أزمات مستحدثة في صفوف بعض الأحزاب الكردية في هذه الأيام حتى اكتب عن أزمة الحركة بشكل عام ، فلم تتوقف الخلافات ، والصراعات يوما بداخلها ، وستتفاقم قادم الأيام والسنين مالم تعالج الازمة العامة بالشكل السليم .

الحقبتان الأشد سوادا

  هناك من عاصر ماحدث قبل اكثر من ثلاثين عاما داخل الحركة الكردية ، اما الجيل الشاب الان فمن المهم جدا الاطلاع على ماحصل لحركته آنذاك .

  فقد واجهت الحركة السياسية الكردية السورية  أسوأ ردة تراجعية في تاريخها في حقبتين متتاليتين  شهدتا تفكيك أحزاب ، وتشكيل أحزاب  بديلة  : الأولى  في تسعينات القرن الماضي اعتبارا من ١٩٩٠ وهي الحقبة التي ارتبطت باسم رئيس المخابرات العسكرية بالجزيرة ، والمسؤول عن الملف الكردي بالمنطقة بما فيها العراق وتركيا – محمد منصورة  – والذي وصفه حافظ الأسد ( بكبش الجزيرة ) ( المحتجز الآن بدمشق )  حيث كان عدد الأحزاب لايتجاوز أصابع اليد الواحدة ، وكان واضحا ان الغلبة للتيار الوطني المعبر عن إرادة الشعب الكردي المتجسد في – حزب الاتحاد الشعبي – بشان قضايا الصراع حول موضوعات استراتيجية مثل : الكرد شعب ام اقلية ، وحدود الحقوق القومية ، والدور الوطني للحركة الكردية إزاء النظام والمعارضة الديموقراطية، والعلاقة مع البعد الكردستاني ،  ووصل العدد في عهده الى اكثر من ثلاثين  حزبا بعد عمليات الاختراق والشق ، وهي معروفة للجميع .

  الحقبة الثانية : بعد سيطرة جماعات – ب ك ك – على المناطق الكردية منذ ٢٠١٢ ، حيث ظهر نوع جديد من الصراعات ومن ابرزها الاختيار بين النظام أوالثورة السورية ، وتشخيص العدو الرئيسي هل هو نظام دمشق الاستبدادي ام جهات افتراضية ، وحول الولاء لمحاور البعد الكردستاني : ( قنديل – أربيل – السليمانية ) ، بالتزامن مع  بروز  وازدهار  ظاهرة المال السياسي حيث تضاعفت اعداد الأحزاب والتنظيمات لتتجاوز الثمانين ، وهي أيضا معروفة للجميع .  

  مايتعلق بتلك الأحزاب المستحدثة بالحقبتين ستكون عرضة للتمزق ، والانحلال ، قبل غيرها ، والسبب وببساطة : غياب عوامل ظهورها ، من دعم وتمويل ، ومن ثم انتهاء أمد وظائفها .

تجليات الازمة    

اعتقد أن ظاهرة  الغليان ، وبروز التناقضات داخل  الكيانات الحزبية الكردية بدون استثناء ، والتي تتفاقم يوما بعد يوم ، ليست مشكلة  عابرة ، او مسألة اختراق بنود النظام الداخلي ، او تجاوز صلاحيات هذا المسؤول او ذاك ، بل تتعلق بالعامل الذاتي ، وتعبر عن حقيقة استنفاذ دور الأحزاب بتشكيلاتها الراهنة ، وأساليبها ، وقياداتها ، العاجزة في الحياة السياسية الكردية ، فالكرد مثل أي شعب محروم ، يعاني من اضطهاد ، وشوفينية الأنظمة المستبدة ، ينشد الخلاص ، ضمن اطارمرحلة التحرر الوطني والقومي الديموقراطي في بلدانها ، أحوج مايكون الى العمل المنظم الثوري القادر على الموامأة والانسجام مع شروط النضال السري والعلني ، والأحزاب الحالية التي تعمل باسم الكرد ، تفتقر الى البرامج الواضحة بمستوى الأحداث الجارية ببلادنا ، والأسيرة للمواقف السياسية الخاطئة وتتربع عليها القيادات الفاشلة التي خدمت الاستبداد لعقود ، ولم تمارس أية مراجعة نقدية لسلوكها السابق ، والراهن ، مثل هذه الأحزاب لم تعد تمثل طموحات شعبنا في عصر مابعد  ثورات الربيع ، ومابعد سقوط نظام الاستبداد البائد  .

   وقد شكلت المرحلة الأولى من اندلاع الانتفاضة الثورية ببلادنا اختبارا لتلك الأحزاب وامتحانا لمدى صلاحيتها فتبينت على حقيقتها عارية عندما سلكت طريق ( موالاة النظام البائد بحالة جماعات ب ك ك والحياد بحالات غالبية الأحزاب الأخرى ) وتصدت مجتمعة ومنذ هبة آذار 2004 للحراك الثوري الكردي المقاوم بالتعاون مع جنرالات أمن النظام الذين اجتمعوا في منزل أحد متزعمي تلك الأحزاب .

  وبعد اندلاع الثورة كان من مهامها الأولى معاداة تنسيقيات الشباب الكردي الثائر في مختلف المناطق الكردية ،  من جهة أخرى وأمام مايحدث على الأرض منذ حوالي أربعة  عشر عاما فان الأحزاب بممارساتها السيئة والمسيئة أدت الى عزل الكرد عن الثورة ، والحراك الوطني العام ، والفشل تلو الآخر في توحيد الصف الكردي ، وافراغ المناطق الكردية من سكانها،  وتعرض من بقي الى الفقر والعوز والحرمان والخوف من ادوات القمع والاكراه بقوة سلاح سلطة الأمر الواقع ، كما أنها عجزت عن رسم استراتيجية في مجال العلاقات القومية على أساس استقلالية القرار ، وصيانة الشخصية الوطنية الكردية السورية ، وبالتالي أرهقت المجتمع الكردي وأوصلته الى اليأس والاحباط بعد الفشل حتى في الاتفاق بينها .

  ان مايجري الآن من تململ وتحركات داخل صفوف الأحزاب الكردية والتي نسمع عنها القليل خاصة في صفوف جماعات – ب ك ك – والأحزاب الأخرى ، ماهي الا مؤشرا آخر على رفض الغالبية الساحقة لتلك الأحزاب ، والبحث عن البديل الذي قد يتمثل بحركة جديدة واسعة وبرنامج واضح وحاسم وقيادة يغلب عليها العنصر الشبابي من النساء والرجال ، كفوءة متمرسة نظيفة الفكر ، والعقل ، والكف ، وكما أرى فان المستقبل القريب حبلى بالمفاجآت السارة على هذا الصعيد خاصة وأن هناك محاولات تجديدية ثورية على صعيد كل سوريا وليس الساحة الكردية فحسب .

هروب الى الامام ، ورجوع نحو الخلف

      جماعات ” سلطة الأمر الواقع ” أو امتدادات – ب ك ك – في سوريا  ، هؤلاء هربوا الى الأمام سابقا بالمزايدة في شعارات ( الدولة الكردية المستقلة ) ثم وصل بهم الموقف الى نفي أي طابع قومي وترديد عبارة ( الأمة الديموقراطية ) حيث لالون ولاطعم لها ، ثم تابعوا” الهروب ” الى أمام مرة أخرى من ( القامشلي وكوباني وعفرين ) الى – الرقة ودير الزور – الا أن انتهى بهم المطاف في ” عين عيسى ” بحثا عن أسوأ ( لامركزية ) انتجتها العقول البعثية وهي بكل علاتها غير مضمونة ” يهربون  الآن  من جديد الى أبعد من الأمام عندما يتوهمون بأنهم الممثلون للسوريين اعتمادا على ( شيوخ عشائر عربية ووجهاء وووو) ” ، وكما يظهر فان الهروب الأخير لهم يكمن في عملية – الاندماج – والى الابد .

  وهنا لابد من الإشارة الى تنامي طموحات مشروعة ، على شكل محاولات فردية ، وشللية ، خصوصا من جانب الشباب من الجنسين في معظم المناطق ، من اجل تنظيم الطاقات لخدمة قضية الشعب الكردي في مختلف المجالات ، ولكن سرعان ما ( تستنفر ) الأحزاب أدواتها  لاستيعابها ، او اختراقها ، او منعها .

  اما ( الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا )  فهرب في  آخر مؤتمر له  نحو الخلف بعد تفاقم ازمته البنيوية ، فبدلا من معالجتها واجراء المراجعة النقدية ، والعمل على توسيع دائرة التحالفات ، واستيعاب المزيد من التيارات ، بما فيها الكتلة التاريخية الوطنية المستقلة .

ان الهروب المزدوج للامام والخلف من جانب أحزاب طرفي الاستقطاب ، ومواصلة تكرار التجارب الفاشلة ، يلحقان الضرر الفادح بالكرد ، وقضيتهم ، ويعرقلان المساعي الجادة في إعادة بناء الحركة ، وصياغة المشروع القومي والوطني للكرد السوريين .

  اين يكمن الحل ؟

    هناك علاقة عضوية ، وغالبا عكسية بين حقيقة استنفاذ دور الأحزاب ، وبين نمو وتمدد الكتلة التاريخية من الوطنيين اللامنتمين للأحزاب ، والذين انفضوا عن العمل الحزبي منذ التسعينات ، وهم الان الغالبية الواعية ، وعليها تعقد آمال إعادة بناء الحركة الكردية من خلال توفير شروط عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع ، وفي هذا المجال وبدلا من محاولات البعض – الحزبيين – في صرف الجهود ( للإصلاح والترقيع ) غير المجديين ، او الانسلاخ وإعلان أسماء جديدة ، عليهم الانضمام الى جهود العاملين من اجل إعادة بناء الحركة الكردية كلها من جديد عبر المؤتمر المنشود .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…