الإخفاء القسري واعتقال الأسرى: اختبار القانون والشرعية في سوريا

شادي حاجي
لم يعد بالإمكان التعامل مع ملف المختفين والمفقودين ولا مع قضية الأسرى الكرد في سوريا، بوصفهم حوادث معزولة أو نتائج جانبية لنزاع معقّد. ما يجري اليوم هو اختبار حاسم، بل إدانة مفتوحة، لمدى التزام السلطة الانتقالية في دمشق -بمختلف مستوياتها- بأبسط قواعد القانون الدولي، ولصدق ادعاءاتها بشأن الانتقال السياسي.
إن غياب الشفافية، وامتناع الجهات الأمنية والعسكرية عن تقديم معلومات دقيقة لعائلات الضحايا، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. فبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تتحمل الجهة القائمة بالسيطرة الفعلية مسؤولية قانونية مباشرة وغير قابلة للتنصل عن حماية الأفراد، وضمان عدم تعرضهم للاحتجاز التعسفي أو الإخفاء القسري. وأي تقاعس عن الكشف عن المصير أو التحقيق الجدي في هذه الحالات لا يُعد مجرد إخفاق إداري، بل يرتقي إلى مستوى الانتهاك الجسيم، وقد يشكّل جريمة مستمرة تستوجب الملاحقة ولا تسقط بالتقادم.
في المقابل، لا يمكن للسلطة الانتقالية في دمشق الاحتماء بتعقيدات المشهد أو تعدد القوى كذريعة للإفلات من المسؤولية. فاستمرار احتجاز الأسرى الكرد — دون مسوغات قانونية واضحة أو إجراءات قضائية عادلة – يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ المحاكمة العادلة، ودليلاً إضافياً على إعادة إنتاج منظومة الاعتقال السياسي بأدوات جديدة. إن أي سلطة تدّعي تمثيل الدولة لا تملك ترف الانتقائية في تطبيق القانون، ولا شرعية لها إن لم تُخضع نفسها له قبل غيرها.
أما ما يسمى باتفاقات التنسيق، مثل اتفاق 29 كانون الثاني، فقد تحوّل عملياً – حتى الآن – إلى مظلة سياسية لطمس الانتهاكات أو تأجيل مواجهتها، بدلاً من أن يكون إطاراً ملزماً لمعالجتها. فالتنسيق الحقيقي يُقاس بالنتائج: كشف مصير المختفين، تبادل قوائم المحتجزين، وضمان رقابة قضائية مستقلة على جميع حالات الاحتجاز. وكل ما عدا ذلك ليس سوى إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلّاً لها.
قضية المفقودين والأسرى الكرد، كما ملف المختفين، ليست موضوعاً تفاوضياً ولا ورقة ضغط سياسية. إنها التزام قانوني فوري وغير قابل للمساومة. إن استمرار احتجاز هؤلاء، رغم دورهم المعروف في محاربة الإرهاب، لا يعكس فقط تناقضاً سياسياً، بل يكشف عن خلل بنيوي عميق في مفهوم العدالة، ويقوّض بشكل مباشر أي ادعاء ببناء نظام ديمقراطي تعددي.
الأخطر من ذلك أن كلا الطرفين -الإدارة الذاتية والسلطة الانتقالية- لا يكتفيان بالعجز، بل يسهمان فعلياً في تكريس نموذج “تعدد مراكز القمع”. فحين يُحرم المواطن من معرفة مصير أبنائه في منطقة، ويُحتجز تعسفياً في منطقة أخرى، فإننا لا نكون أمام فوضى عابرة، بل أمام بنية قمعية موزعة جغرافياً، متشابهة وظيفياً.
ولا تقتصر المسؤولية على السلطة الانتقالية في دمشق، بل تمتد بشكل مباشر إلى الإدارة الذاتية ومرتكزاتها الأمنية والعسكرية، التي تتحمل مسؤولية واضحة وغير قابلة للالتفاف عن كشف مصير مقاتليها الذين سقطوا بين قتيل وأسير ومفقود خلال عمليات الانسحاب من دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور. إن استمرار الصمت، وغياب رواية رسمية موثقة، لا يمكن تفسيره كإهمال عابر، بل يرقى إلى مستوى التستر، ويطرح شبهة المسؤولية عن قرارات أو ممارسات قد تكون أدت بشكل مباشر إلى تلك الخسائر.
فالقانون الدولي الإنساني لا يعترف بالمساحات الرمادية في هذا السياق: ترك المقاتلين دون حماية، أو الانسحاب دون ضمانات حقيقية لسلامتهم، أو الفشل في توثيق مصيرهم ومتابعته، كلها أفعال قد تُدرج ضمن المسؤولية القيادية، بل وقد تفتح الباب أمام توصيفات قانونية أخطر إذا ما ثبت وجود إهمال جسيم أو قرارات متهورة أو تواطؤ مباشر.
وعليه، فإن أي تجاهل لهذه الوقائع، أو محاولة طمسها، لا يُعد فقط إنكاراً لحقوق الضحايا، بل انتهاكاً إضافياً لها. كما أن الامتناع عن فتح تحقيقات شفافة ومستقلة، وتحديد المسؤوليات بدقة، ومحاسبة المتورطين – مهما كانت مواقعهم – يُكرّس بشكل صريح مبدأ الإفلات من العقاب، ويحوّل الخطاب السياسي حول “الشرعية” إلى خطاب فارغ من مضمونه.
إن إنصاف الضحايا لا يبدأ بالتعويض، بل بالحقيقة. ولا يمكن لأي سلطة أن تدّعي تمثيل مجتمعها، وهي تعجز – أو ترفض – إبلاغه بمصير أبنائه.
إن المسؤولية هنا ليست سياسية فحسب، بل جنائية قابلة للتدويل. فجرائم الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي والانتهاكات المرتبطة بها تندرج ضمن الأفعال التي قد تستوجب الملاحقة أمام آليات دولية، سواء عبر لجان تحقيق خاصة أو عبر الولاية القضائية العالمية.
بناءً على ذلك، فإن المطلوب لم يعد تصريحات أو وعوداً، بل إجراءات ملزمة وفورية:
إعلان قوائم رسمية كاملة بجميع المحتجزين والمفقودين دون استثناء.
الكشف العلني عن مصير جميع الحالات، بما في ذلك القتلى والأسرى والمختفين.
تمكين العائلات من الوصول غير المقيّد إلى المعلومات والزيارات.
فتح تحقيقات مستقلة بإشراف دولي عند الاقتضاء.
محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، بمن فيهم القيادات الآمرة.
الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين على خلفيات سياسية.
إن أي تأخير أو مماطلة في تنفيذ هذه الإجراءات لا يمكن تفسيره إلا كاستمرار متعمد في الانتهاك.
في المحصلة، لا يمكن لأي اتفاق سياسي – بما في ذلك اتفاق 29 كانون الثاني وحتى المرسوم ١٣ – أن يمنح شرعية حقيقية لأي سلطة، ما لم يُترجم مباشرة إلى حماية فعلية للحقوق. الشرعية لا تُمنح عبر التفاهمات، بل تُنتزع عبر احترام الإنسان.
سوريا اليوم ليست أمام اختبار سياسي فحسب، بل أمام لحظة مساءلة تاريخية: إما تفكيك منظومة القمع بكل أشكالها، أو إعادة إنتاجها بصيغ متعددة. وفي هذا الاختبار، لن تكون البيانات ولا الخطابات هي الفيصل، بل الحقيقة: من اختفى؟ من أُسر؟ من قُتل؟ ومن سيُحاسَب؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس تتبدّى ضحالة الدكتور محمد بهجت القبيسي من أبسط مداخل اللغة والتاريخ، فهو لا يدرك، أو يتجاهل عمدًا، أن اللغة الكوردية ليست فرعًا من العربية، ولا تنتمي إلى الأسرة السامية أصلًا، بل هي من اللغات الإيرانية الغربية ضمن العائلة الهندو-إيرانية. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط كل محاولة بائسة لتعريب اسم الكورد أو ردّ وجودهم إلى اشتقاقٍ داخل المعجم…

Prof. Dr. Sarbast Nabi لن أكشف سرّاً إذا تساءلت استناداً إلى اعتراف مظلوم عبدي بالذات على قناة العربية/ الحدث بأن اتفاقه( اتفاق آذار) تمّ بينه وبين الجولاني سرّاً قبل سقوط بشار الأسد وأن الاتفاق المعلن هو مطابق تماماً مع ذلك الاتفاق، إنه، حسب قوله، كان اتفاقاً سورياً/ سورياً. السؤال، من الذي خوّل عبدي، المسؤول العسكري، أن يقرر المصير…

فيصل اسماعيل تُعد القضية الكردية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً واستمراراً في الشرق الأوسط الحديث، إذ امتدت تداعياتها منذ ما بعد انهيار وحتى اليوم، دون أن تصل إلى تسوية نهائية تُنهي حالة الجدل التاريخي حول الحقوق والهوية والمستقبل السياسي. ورغم التحولات الكبرى في النظام الدولي، بقيت مقاربة القوى الفاعلة تجاه القضية الكردية محكومة في الغالب باعتبارات الاستقرار الإقليمي، وتوازن…

نظام مير محمدي * في 20 يونيو 2026، شهدت العاصمة الفرنسية باريس أحد أكثر الأحداث السياسية حساسية وتاريخية للمقاومة الإيرانية. وعلى الرغم من أن الشرطة الفرنسية، رضوخاً للضغوط الدبلوماسية وسياسة الاسترضاء المخزية، ألغت تصريح المظاهرة المركزية الحاشدة التي كانت مقررة بمشاركة مئة ألف من الإيرانيين الأحرار، إلا أن المقاومة الإيرانية، عبر مبادرة استثنائية ونشر مئة ألف إيراني في عشرات النقاط…