حوران حم
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما تبعه من ضياعٍ في البوصلة، وتآكلٍ في الثقة، واستنزافٍ في الطاقات.
لقد وُلدت الحركة الكردية من رحم المعاناة، وتشكلت عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات. حملت معها آمال شعبٍ بأكمله، وكانت في لحظات كثيرة عنوانًا للصمود والكرامة. لكنها، في محطات مفصلية، عجزت عن حماية ذاتها من ذاتها. فبدل أن تتحول التعددية إلى مصدر غنى، تحولت إلى ساحة تنازع. وبدل أن يكون الاختلاف في الرأي عاملًا لتطوير المشروع، أصبح مدخلًا للانقسام والتشظي.
الانشقاقات لم تكن يومًا مجرد خلافات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن خلل عميق في بنية التفكير السياسي. إذ غالبًا ما كانت تُدار الخلافات بعقلية الإقصاء لا الاحتواء، وبمنطق الغلبة لا الشراكة، ما أدى إلى تكرار نفس السيناريو: انقسام يولّد انقسامًا، وصراع يفتح الباب لصراعات أخرى. ومع كل انشقاق جديد، كانت الحركة تخسر جزءًا من قوتها، وجزءًا من ثقة شعبها، وجزءًا من قدرتها على التأثير.
ومع تراكم هذه الانقسامات، لم تعد المشكلة في تعدد الأحزاب بحد ذاته، بل في غياب الإطار الجامع الذي ينظم هذا التعدد ويحوّله إلى قوة. وهنا بدأ ضياع البوصلة. فبدل أن يكون الهدف هو خدمة القضية الكردية ضمن رؤية وطنية واضحة، أصبحت الأولويات في كثير من الأحيان مرتبطة بحسابات ضيقة، وصراعات نفوذ، وتوازنات داخلية، لا تعكس حجم التحديات الحقيقية التي يواجهها الشعب الكردي.
إن ضياع البوصلة لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيًا. يبدأ بتهميش الكفاءات، وغياب التداول الحقيقي للقيادة، وتكرار نفس الوجوه، وتغليب الولاءات الضيقة على المصلحة العامة. ثم يتحول إلى حالة عامة من الجمود، حيث تتوقف عملية التجديد، ويصبح الخطاب السياسي منفصلًا عن الواقع، وتفقد الجماهير ثقتها بجدوى العمل الحزبي.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُغلق أبوابه. فكل أزمة تحمل في داخلها فرصة، وكل لحظة ضعف قد تكون بداية لمرحلة جديدة، إذا ما توفرت الإرادة والوعي. والحركة الكردية اليوم، رغم كل ما تعانيه، ما تزال تمتلك فرصة حقيقية لإعادة بناء نفسها، شرط أن تذهب نحو حل جذري، لا ترقيعي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى خطوة تاريخية شجاعة: عقد مؤتمر وطني كردي جامع. ليس كمجرد فعالية سياسية عابرة، ولا كمنصة لالتقاط الصور وإصدار البيانات، بل كمحطة تأسيسية تُعيد صياغة المشروع الكردي على أسس جديدة. مؤتمرٌ يفتح الأبواب أمام الجميع دون استثناء، ويكسر جدران العزلة بين الأطراف، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
هذا المؤتمر يجب أن يكون مساحة حقيقية للمراجعة والنقد، حيث تُطرح الأسئلة المؤجلة، وتُناقش الأخطاء بجرأة، وتُستخلص الدروس من التجارب السابقة. فلا يمكن بناء مستقبل مختلف دون الاعتراف الصادق بما جرى، ودون تجاوز عقلية التبرير التي رافقت الكثير من المحطات.
وفي قلب هذا المؤتمر، تبرز مهمة أساسية: تشكيل مرجعية وطنية كردية جامعة. مرجعية لا تُبنى على المحاصصة، ولا تُختزل في توازنات حزبية، بل تنبثق من إرادة جماعية حقيقية، وتكون قادرة على تمثيل الصوت الكردي بشكل موحد، وتنظيم القرار السياسي، ومنع الانزلاق مجددًا نحو دوامة الانقسامات.
لكن هنا، تبرز مسألة جوهرية لا تقل أهمية عن عقد المؤتمر نفسه: من يضمن نجاح هذه المرجعية؟ ومن يحميها من أن تتحول إلى نسخة مكررة من التجارب السابقة؟
الجواب يكمن في دور المستقلين والوطنيين الكرد.
إن إشراك المستقلين، من مثقفين وأكاديميين وناشطين وشخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو شرط أساسي لنجاح أي مشروع جامع. فهؤلاء يشكلون الضمانة الأخلاقية والسياسية التي يمكن أن توازن بين القوى الحزبية، وتمنع احتكار القرار، وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار.
المستقلون لا يحملون إرث الصراعات الحزبية، ولا تحكمهم حسابات النفوذ، ما يمنحهم قدرة أكبر على لعب دور الوسيط، والجسر، والضامن. وجودهم الفاعل داخل المؤتمر، وفي صلب المرجعية المنبثقة عنه، هو ما يمكن أن يقطع الطريق أمام تكرار سيناريوهات الانشقاق التي أنهكت الحركة الكردية لعقود.
كما أن الوطنيين الكرد، الذين يضعون القضية فوق الحزب، والشعب فوق التنظيم، هم الركيزة التي يمكن أن تُبنى عليها مرحلة جديدة. هؤلاء هم القادرون على إعادة تعريف العمل السياسي، ليكون أقرب إلى خدمة الناس، وأبعد عن الصراعات العقيمة.
إن ضمان عدم تكرار الانشقاقات لا يتحقق فقط عبر النصوص والاتفاقيات، بل عبر بناء ثقافة سياسية جديدة، يكون فيها الخلاف مشروعًا، لكن الانقسام مرفوضًا. ثقافة تقوم على الشراكة، والمساءلة، والشفافية، واحترام التنوع، ضمن إطار وطني جامع.
ولعلّ التحدي الأكبر ليس في عقد المؤتمر بحد ذاته، بل في تحويل مخرجاته إلى واقع ملموس. فكم من مؤتمرات عُقدت، وكم من بيانات أُعلنت، لكنها بقيت حبرًا على ورق، لأنها لم تُدعّم بإرادة حقيقية للتنفيذ.
لذلك، فإن نجاح المؤتمر الوطني الكردي الجامع يتطلب: إرادة صادقة للتغيير، لا مجرد استجابة ظرفية
استعدادًا لتقديم التنازلات المتبادلة
قبولًا بدور المستقلين كضامن حقيقي
التزامًا عمليًا بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه
إن الحركة الكردية اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تستمر في الدوران داخل حلقة الانقسامات، وإما أن تجرؤ على فتح صفحة جديدة، تُعيد فيها ترتيب بيتها الداخلي، وتستعيد ثقة شعبها، وتُعيد توجيه بوصلتها نحو الهدف الأساسي.
القضية لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل، ولا المزيد من التجارب الفاشلة. فالشعوب التي قدّمت كل هذه التضحيات، تستحق قيادة بحجم هذه التضحيات، ومشروعًا وطنيًا يليق بها.
وما بين الألم والأمل، يبقى الخيار بأيدينا:
إما أن نبقى أسرى الانقسام…
أو أن نصنع لحظة وحدة… تُنقذ ما يمكن إنقاذه، وتفتح الطريق نحو مستقبلٍ مختلف.