المستوطنون العرب يتضامنون مع غزة من عفرين… وإسرائيل أقرب إلى دمشق دون أي أثر للتضامن الحقيقي

عبد الكريم عمي
في مشهد يفيض بالتناقضات، تتكشف ملامح خطاب سياسي وإعلامي يرفع شعارات التضامن مع غزة من على منصات بعيدة عن ميادين الفعل، بينما تتسارع التحولات الإقليمية على الأرض بشكلٍ يعاكس تماما هذا الخطاب. فبينما تنظم فعاليات في عفرين تحت لافتة نصرة غزة ، تبدو هذه التحركات أقرب إلى الاستعراض الرمزي منها إلى موقف سياسي مسؤول يعكس إرادة الشارع أو ينسجم مع طبيعة المرحلة.
إن استخدام عفرين بكل ما تحمله من حساسية سياسية وتعقيد ديموغرافي كمنصة لإظهار التضامن، يطرح تساؤلات جدية حول دوافع هذا الخطاب وحدوده. فهل نحن أمام تعبير حقيقي عن موقف أخلاقي وإنساني، أم أمام محاولة لتوظيف القضية الفلسطينية في سياق صراعات داخلية وإقليمية؟ خصوصا حين يغيب هذا التضامن عن مناطق أخرى يُفترض أنها أكثر التصاقا بمراكز القرار أو أكثر قدرة على التأثير.
وفي المقابل، تكشف الوقائع الميدانية عن مسار مغاير تماما إذ تتجه المنطقة نحو مزيد من الانفتاح غير المعلن بين أطراف كانت تصنف تاريخيًا في خانة العداء مع إسرائيل، في وقت تتراجع فيه مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات السياسية لبعض القوى. هذا التحول لا يقرأ فقط في سياق العلاقات الدولية، بل ينعكس أيضا في تراجع الزخم الشعبي الحقيقي، مقابل تصاعد الخطاب الشعبوي الذي لا يتجاوز حدود المنصات الإعلامية.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن إسرائيل التي تقترب من دمشق سياسيا أو أمنيا لا تقابلها مواقف احتجاجية موازية في الداخل، ولا حتى حملات تضامن حقيقية بحجم الحدث، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة الأولويات لدى تلك الجهات التي ترفع الصوت في أماكن محددة وتلوذ بالصمت في أخرى.
فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد ازدواجية في الخطاب، بل هو تعبير عن أزمة عميقة في البوصلة السياسية، حيث تستخدم القضايا الكبرى كأدوات ظرفية، بدل أن تكون مرتكزا ثابتا للمواقف. فالتضامن الحقيقي لا يقاس بعدد الشعارات المرفوعة، بل بمدى الاتساق بين القول والفعل، وبين الموقع الجغرافي للموقف ووزنه السياسي.
في الخلاصة، ما بين تضامن معلن من عفرين وصمتٍ مريب في مراكز القرار ، تتبدى فجوة عميقة بين الخطاب والواقع، تضعف مصداقية تلك الأطراف، وتطرح الحاجة الملحة لإعادة تعريف معنى التضامن، بعيدا عن التوظيف السياسي الضيق، وباتجاه موقف أكثر صدقا واتساقا مع التحديات الراهنة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…