عبدالله كدو
الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية.
هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها السلطات الحاكمة المتعاقبة، سواء كانت تحت اسم الحكومات الرسمية أو باسم سلطات الأمر الواقع، مثل سلطة الإدارة الذاتية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD عبر قواه المسلحة، أو الفصائل السورية المسلحة التي ظهرت بعد بدء الثورة السورية، أو التأثير السياسي للأحزاب الكردية السياسية غير المسلحة.
في هذه العجالة نسعى إلى تناول الحالة الكردية الناجمة عن تأثير الأحزاب التي تحمل عناوين كردية، ومنها الأحزاب الكردية الممتدة من الحزب الكردي الأول المؤسس في عام 1957، وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي يعلن اهتداءه بما يسميه فلسفة مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، مع الأحزاب التابعة له.
هنا لا بد من التأكيد على ضرورة مقاربة علمية لفهم العوامل المساعدة وأسباب انتشار تأثير الأحزاب السياسية وغيرها من الجهات السياسية والاجتماعية، وانعكاس ذلك على مختلف الأفراد والشرائح الكردية. وأعتقد أن السبيل المتوافر والأنجع في ذلك هو الاعتماد على مثقفين وسياسيين كرد من ذوي السير الذاتية المشهود لهم بالانحياز إلى المصلحة العامة، وذوي الأيادي البيضاء من المقيمين في الداخل السوري والخارج، للقيام بالمقاربة المنشودة، عبر مراكز أبحاث ودراسات تعمل وفق معايير علمية وعالمية، بالتنسيق مع مؤسسات إعلامية مهنية نزيهة وفاعلة.
فحالات الولاء للشخصيات والعشائر والمناطق، التي تعاني منها أفراد و جماعات كردية بشكل متدرج، وصولا إلى الحالة القطيعية التي يشكلها الجمود العقائدي الأيديولوجي، بدلا من الولاء للأفكار والسياسات، ليست استثناء في المنطقة، وهو موضوع قديم متجدد. ومحاولة التأثير في هذه الحالات إيجابا، سعيا لتخفيفها، تتطلب، إلى جانب المسارات السياسية، إجراء دراسات نفسية (سايكولوجية) خاصة بالمجتمع الكردي، عبر دراسة تفاصيل المراحل التاريخية التي مر بها، ومؤثراته الدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية وغيرها.
ونشر مخرجاتها على أوسع نطاق، بشكل مباشر و عبر برامج إعلامية وتلفزيونية متنوعة، تقريرية وحوارية، بالإضافة إلى برامج صحفية بلغة سهلة، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، حيث إن مستوى الأمية الثقافية والسياسية، والتي لها أسبابها الطويلة، يتطلب من ذوي الشأن، وهم أصحاب الإحساس الأكبر بالخطر والمسؤولية، العمل الجاد.
ولا بد من التأكيد على أن الشعب الكردي في سوريا يمتلك كوادر بمؤهلات وطاقات أفضل بكثير من أولئك الذين يتصدرون المشهد الكردي السياسي راهنا، وأن تغييب تلك الطاقات الفاعلة يفسح المجال أمام فاسدين ووصوليين محسوبين على الكرد السوريين للقيام بزج الكرد في أتون معارك سياسية ومسلحة لصالح أجندات حزبية وفئوية تحمل عنوان المصلحة القومية الكردية العامة زورا وبهتانا، وليس للكرد السوريين فيها ناقة ولا جمل.
فالواقعية السياسية والمهنية العلمية تستدعيان أن يتولى أولئك المحترفون زمام الأمور، وخاصة الشباب منهم، إذ إن من طبيعتهم العلمية ومصلحتهم القومية ومسؤوليتهم الأخلاقية الاستناد إلى نتائج الدراسات والأبحاث السياسية والاجتماعية العلمية المعاصرة، واعتماد الشفافية في تطبيق شعار: الكرد السوريون أولا.
مع الالتزام والتمسك بأواصر الأخوة القومية بكل جوانبها الجغرافية والتاريخية واللغوية والثقافية، مع الأشقاء الكرد في عموم كردستان والعالم.