بؤس النصر في لقاء القصر.

سعيد يوسف

في أواخر ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته، كان من بين أنشطتنا القروية الصيفية حصراً، صيد طائر الچكچكان (الجحيلي). بواسطة أداة مصنوعة من أسلاك معدنية كنّا نسميها (خفك) الفخّ. وللفخّ خيط كنّا نشده على عنق دودة صفراء خاصة ثم ننصب الفخ ونطمره بالتراب، بينما تبقى الدودة مكشوفة وهي تتلوّى من الألم وتسعى للتحرر وغالبا ما كان الصيد يتمّ إما خلف بيوت القرية أو بجانب صخرة إذا توفّر الظلّ الذي تبحث عنه طيور الچكچكان عادةً.

ومن أجل استكمال عملية الصيد كنا نقوم بالالتفاف على الطائر لندفعه باتجاه مكان تواجد الفخّ، وفور قراره في المكان ورؤيته للدودة وهي تتلوّى يبدأ بتفريد جناحيه ويقترب الهوينى من الطعم، بينما نحن نحبس أنفاسنا ونستعد للانطلاق بكل قوانا  كانت خططنا ناجحة بأغلبيتها فيما كان الفشل قليلًا

في سياق رمزي مشابه لعملية الصيد تلك جاءت دعوة الرئاسة السورية المؤقتة للأطراف الكوردية الى القصر الرئاسي بالتزامن مع حلول عيدي نوروز وعيد الفطر

لاقت الدعوة ردود فعلٍ متباينة، توزّعت بين أغلبية متفائلة رأت فيه منحىً أيجابياً، وقلة متشائمة، وآخرون متشائلين.

سأحاول الاختصار. بالعودة إلى الماضي وتحديدًا اتفاق العاشر من آذار، وبعده اتفاق ٢٩/ يناير، ثم المرسوم رقم/١٣/  ونتساءل عن القاسم المشترك بينها، وما هي الفرصة التي توفّرت في الأولى كما يلمح البعض ولم تغتنمها الإدارة الذاتية والسيد مظلوم عبدي تحديداً، وهل حصلت تغيرات لاحقة لم تتوفّر في سابقاتها .

اتفاق العاشر من آذار يضم ثماني بنود، في البند الثاني ورد اسم الكورد كمجتمع أصيل، وتضمن الدولة حقه في المواطنة وحقوقه الدستورية ! عبارات تخضع للتأويل والتفسير، وبما يخدم المصلحة والتطلعات.

البند الرابع يشير صراحة إلى دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية.

المضمون العام لا يعطي أية خصوصية سياسية أو عرقية للمكون الكوردي، بل ينظر إليه من زاوية كونهم مواطنين سوريين ينضوون كغيرهم تحت سقف القانون والدستور في دولة سورية مركزية. وقد كرّر الرئيس السوري المؤقت العبارة مرات عديدة بأنّ سورية دولة واحدة أرضاً وشعباً  ولا تحتمل الفدرلة، ولا خصوصية سياسية لأحد خارج هذا الإطار، وعبثاً دار النقاش حول معنى مصطلح الدّمج الإشكالي حقّاً، وهل يتم بشكل إفرادي، أم بشكل جمعي وكتل؟

أما الشكل الإفرادي فلا يستدعي النقاش، وأمّا الشكل الكتلي فهو في النهاية يفقد خصوصيته، طالما يكون تابعاً لأنظمة وقيادة الدولة وخاصة العسكرية منها، هل يستطيع نائب وزير الدفاع مخالفة أوامر وزير الدّفاع ؟ قطعاً لا! فإن فعلها فإنّه يعتبرمنشقاً ورافضاً للأوامر العسكرية وهنا يحق لجيش الدولة قمع المنشقين ومحاسبتهم وفق الأنظمة الناظمة. إذاً النتيجة النهائية واحدة، وبالتالي تنتهي المؤسسات المدنية والعسكرية ويصبح الجميع في قبضة الدولة المركزية.

الاتفاق الثاني ويتألف من/١٤/ بنداً ربما فيه توضيحات أخرى لكنه في النهاية يؤكد على مسألة الدّمج كسابقه، يبقى الشيء الإيجابي الذي حصل في حينه، هو انسحاب الجيش من نقاط التماس، والاتفاق على دخول الأمن الداخلي إلى المدن لاحقًا الشيء الذي جنّب المدنيين وكورد روژآڤا عمومًا من كارثة محتّمة، لولا جهود الرّئيس البارزاني من جهة، وزخم المظاهرات الكوردية في الدول الأوروبية، وجهود دولية متعددة، علاوة على مواقف شخصيات سياسية مؤثرة وغيرها كلّها دفعت باتجاه تدخلٍ دوليّ لكبح جماح التقدّم السريع لفصائل السلطة السورية المتطرّفة التي تمكنت خلال يومين من الوقوف على أعتاب المدن الكوردية، فيما انهارت الخطوط الأمامية لقوات قسد بشكل درامي مخلفة ًآلاف الشهداء والأسرى، لأسباب متعددة دون أنْ تكشف السلطة المحلية عن أسباب الكارثة وهول المأساة .

وجاء المرسوم رقم/١٣/ الذي أشار إلى كون اللغة الكوردية لغة وطنية، واعتبار عيد النوروز عيداً وطنيًا مما يعني منح الكورد خصوصية ثقافية لا غير، وهذا مستبطن في الاتفاقين السابقين، وتجلى عمليًا في لقاء القصر، حيث تمكّنت الرئاسة السورية من تحقيق الجمع بين الأطراف السياسية الكوردية الرئيسية منها مع بعض المستقلين في كتلة واحدة لكن لا بوصفهم أطرافًا سياسية – رغم الصعوبات البالغة في جمعها سوية فيما سبق – بل بوصفهم مواطنين كورد مدنيين، ولهذا تمّ هندسة اللقاء بشكل مدروس وممنهج من حيث تحديد الأمكنة ونمط الألبسة، وبرمجة الكلمات وفلترتها، في وقفة عنوانها القلق والتوجّس والتوترمن جانب الأطراف الكوردية، بينما المبادرة وقيادة الدّفة بيد القائد .

فما الذي جناه الكورد من لقائهم مع رأس الهرم السياسي السوري؟  

الملخّص : صحيح أنّها المرّة الأولى التي يدخل فيها الكورد إلى قصر الرئاسة لكن بوصفهم كورداً سوريين دون غطاء سياسي، وما هو صحيح أيضاً أنّ الجميع وقعوا في فخ الدّمج من حيث يدرون، أو من حيث لا يدرون، ففي الوقت الذي كان سقف المطالب لدى البعض هي الفدرالية واللامركزية السياسية، ولدى آخرين هي الإدارة الذاتية أوكذلك الفدرالية، وإذا بكل هذه الطموحات تسقط وتنهار.

قبل ذلك سقط الإئتلاف الشوفييني المعارض ومعه المجلس الوطني الكوردي الذي بقي مستمرًا معه حتى النهاية رغم كل عاهات الإئتلاف وعهره، وهنا كان حريّاً بالمجلس تقييم أدائه والقيام بمراجعة نقدية للذات والمسار، وتقديم مكاشفة كحد أدنى أو حتى اعتذار لجماهيره، وذلك على خلفية الممارسات المخزية للإئتلاف وفصائله الإرهابية بحق الكورد. كما فشلت الإدارة الذاتية والأمة الديمقراطية بكل زخمها وقوتها وتهاوت فلسفة أخوة الشعوب بطعنة نجلاء، بعد أن قدّمت مايقارب خمسين ألفاً من الشباب الكورد بين شهيد وجريح . سقط الجميع أمام تقاطع المصالح الدولية فيما برز في الحقل السياسي مصطلح مؤدلج وناعم يزيّف الحقوق ويكتسح الوجود الكوردي كشعب أصيل، تاركة الذات الكوردية تتسوّل في متاهات الاغتراب والاستلاب، وذلك عقب أكثر من عقد من الزمن، وإذا بأحلامه تستقر في فخّ الاندماج الديمقراطي الرومانسي كآخر موضة فكرية.

مضمون الاتفاقات السابقة يكشف الاتساق بينها جميعًا بشكل يراد منه تفريغ القضية الكوردية من محتواها القومي والوطني، واعتبارها قضية مواطنة عابرة للحدود. ودون ذلك  لا وجود لقيمة تفاضلية بينها تستحق الندب والتّحسر، أما مسألة ساعة من التدريس للّغة الأم والاحتفال الرسمي بأعياد نوروز، فهي اعترافات لا تستحق كل هذا التضخيم والتهويل الإعلامي والسياسي طالما لم تكتسب الصفة الشرعية الدستورية، وهي ليست إلا حقوق طبيعية معترف بها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والدّول الأوروبية تحمي هذا الحق وتلتزم بتدريسه، وحتى في الفترة الأخيرة من سلطة نظام الأسد كانت الجماهير الكوردية تقيم احتفالاتها، حقّ اللغة حقّ إنساني مشروع ولا منّة لأحد فيه إطلاقًا .

أمّا السوريون كنخب سياسية وكشعب أيضاً فليس بوسعي أن أخون ملاحظاتي وخبرتي حيال ما شاهدت وما أثبتته الأحداث المؤلمة والوقائع الكارثية التي ألمّت بمكونات الشعب السوري عامة والكوردي خاصةً وحتى الآن في مدنه عفرين ورأس العين وكوباني والشيخ مقصود وغيرها، وكذلك الأحداث المؤلمة التي وقعت في الساحل السوري، أو التي وقعت في مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، وما رافق تلك الأحداث من عبارات مقززة، تكرّس الكراهية وتحرّض على العنف والعنصرية. كل ذلك يسمح لي بالحكم عليه بأنه شعب حاقد ومفكك وغوغائي ودموي محكوم بسياج من التخلف والجهل النابع من مرجعيته الفكرية المتطرفة والمغلقة، وتربيته العنصرية الفاسدة، مبينةً بأنّه كشعب بكل فئاته وطوائفه وإثنياته غير مستعد بعد لقبول بعضه بعضا، أو قبول مفاهيم السياسة المدنية والانفتاح عليها، هذه الأحكام بالنسبة لي تستمد تبريرها من النسبة المئوية التي أجدها تتجاوز السبعين بالمائة كحد أدنى، عندئذ يفرض تعميم  الحكم حضوره ومصداقيته، وتبقى النسبة الباقية وهي الأقلية المنفتحة والتي يختفي تأثيرها أمام زخم التطرف والتوحّش الذي تمّ تغذيته تاريخيًا وعبر عقود زمنية طويلة، ودعمته مرجعيات فكرية أرثوذوكسية، ورعته مصالح دولية وإقليمية، وعلى رأسها كلّ من إيران وبشكل أخص تركيا صانعة أذرع الشرّ والإرهاب وفصائل التطرف، يدعمه تمويل قطري خليجي قذر وبشكل ممنهج ومدروس هدفه الأول نسف البنية الاجتماعية للشعب الكوردي وتشريده وتهجيره وكسر إرادته وبهذا تمّ شرذمة مكوّنات المجتمع السوري وتفتيته طائفياً ونسف بنيته اجتماعيًا، هذه السياسة اللئيمة المدمّرة ليست بنت اليوم بل مُورست عبر تاريخ طويل من قبل الدولتين المذكورتين والدول العربية والإسلامية أيضًا، من هنا يتوجّب على السلطات السورية المستقبلية إعادة تأهيل السوريين وترميم الشروخات العميقة وسدّ الفجوات العميقة بين مكوّناته عبر اعتراف دستوري صريح يقرّ بحقوق الجميع، وخطابات مبنية على الانفتاح والاختلاف ومناهضة للعنف والكراهية ونبذ الآخر.

بذاك الشكل القاتم الرّاهن الذي بينته عادت سوريا وبشكل آخر إلى المربع الأول من المركزية الهشّة، ولكن هذه العودة  وذاك السقوط المريع لن يستمر طويلاً٠ فحاكم القصر ليس في يديه مفتاح الحلول وتوزيع العطاءات والمنح ” فالقصر كبير يا ولدي وكلابٌ تحرسه وجنود…من يدنو من سور حديقتها ( الحجرة) مفقود مفقود ” (نزار قباني). لن يبقى سياج القصر عصيّاً وسينتهي دور الحرس الراهن، حينها سيدخله حصان طروادة. لينفّذ أخيرًا ما يمليه مراكزصنّاع القرار وفق استراتيجية التحالفات السياسية والاقتصادية الدولية التي سترسم خارطة المنطقة وتبني قوس الانتصارات.

لن يستقرّ الشرق الأوسط بنموذجه الاستبدادي والعنصري المتمثل في محور الشرّ، إيران وأذرعها، وتركيا من خلف الستار وأذرعها التمويلية كمنتجين للإرهاب وتصديره وتهديد أمن وسلامة المنطقة وزعزعة استقرار العالم . لا يمكن التكهن بالقادم من النتائج بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكن على الكورد عمومًا، الاستعداد لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة الصعبة. وإذا كان أردوغان قد تمكن في قصر الشام من صيد الچكچكان، فهل تنجح خطته في شرق كوردستان ؟ رغم الاختلافات الكثيرة بين غرب كوردستان وشرقيه، أم أنه سيكون جكچكان المستقبل .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حواس محمود كثر الحديث وازاداد النقاش حول مفهوم ” الأمة الديموقراطية ” و ” إخوة الشعوب ” والذين يرفعهما ال ب ي د وال ب ك ك ، وبالارتباط بما جرى ميدانيا وسياسيا في سورية مع سلطة أحمد الشرع بعد سقوط نظام بشار الاسد ، وما خلّف هذا الشعار من إخفاقات وخسائر كبيرة في الأرواح والمعنويات ، يمكن القول أنّ…

خالد حسو ما يجري اليوم ليس مجرد توتر عابر، بل تصعيد محسوب تتحرك فيه الولايات المتحدة بخطوات مدروسة، واضعةً الخيار العسكري كأداة ضغط حقيقية على إيران. الحديث عن هجوم بري لم يعد في إطار التكهن، بل ضمن سيناريوهات جاهزة تنتظر لحظة التنفيذ إذا ما وصلت الأزمة إلى طريق مسدود . في المقابل، تواصل طهران سياسة الرفض والإنكار، رافضةً المبادرات المطروحة،…

سمكو عمر لعلي منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومع تبلور ملامح الوعي القومي الكوردي، دخلت الحركة الكوردية مرحلة جديدة من النضال السياسي والعسكري، سعت من خلالها إلى تثبيت هويتها القومية ونيل حقوقها المشروعة. وقد شكّلت ثورة عبيد الله النهري سنة 1880 نقطة تحوّل بارزة، إذ عُدّت من أوائل المحاولات المنظمة لتأسيس كيان كوردي مستقل عن السلطة العثمانية . وعلى الرغم…

جان دوست قبل حوالي عام كتبت أن المشهد واضح لكن العطل في النظارات الأيديولوجية، ويبدو أن معاون وزير الدفاع في الجيش العربي السوري السيد سيبان حمو قد وصل إلى هذه القناعة لكن بعد أن ضحى بالآلاف من شباب وصبايا الكرد في معارك الخسران التي خاضها في الوقت بدل الضائع في الأشرفية والشيخ مقصود ودير حافر ودبسي عفنان والطبقة والرقة وصرين…