لماذا يتم استهداف البيشمركة

عبداللطيف محمد أمين موسى

إن القراءة المنهجية للتطورات الناجمة عن استراتيجية الصراع، وغياب الرؤية السياسية وراء الغاية الحقيقية من هذا الصراع، ستؤدي إلى انسداد الجهود الفاعلة في إيجاد مخرج فعلي لهذا الصراع الذي سيشكل ارتدادات كثيرة على المنطقة من حيث شكل وماهية الصراع.

إن الاستهداف غير المبرر من قبل الحرس الثوري الإيراني ومنظومته الأمنية للدول المحيطة بها، وعلى إقليم كوردستان العراق بالأخص، فعل يتنافى مع قيم التعايش وحسن الجوار بين الدول، وخرق واضح لكافة المعايير والقوانين والأعراف الدولية.

إن خطورة هذه الاستهدافات تجاوزت كافة الحجج الوهمية وغير المقنعة التي تسوقها المنظومة الأمنية الإيرانية، وتبدو منفصلة تماما عن واقع الصراع. كما أن هذا الاستهداف الأخير وغير المبرر لقوات البيشمركة في إقليم كوردستان يدل على فقدان المصداقية لدى صانع القرار الأمني الإيراني، وغياب القرار الاستراتيجي، وحالة التشتت وفقدان السيطرة والتحكم، وغياب عقلية قيادة الدول، وضرب كافة القيم ومفاهيم الإنسانية وحقوق الشعوب المجاورة في المحبة والسلام والتعايش.

وكذلك حالة التخلي عن قيم وأخلاقيات فلسفة الاحترام والتعاون وحسن الجوار التي تحلت بها القيادة الحكيمة في إقليم كوردستان في مراعاة المصالح المشتركة، والدعم الدولي والإقليمي الذي حاولت توفيره من خلال جهودها في الوساطة التي لعبها رئيس إقليم كوردستان نيجرفان بارزاني في إحلال السلام وعدم اندلاع النزاع والصراع العسكري بين إسرائيل وأمريكا وإيران، بل دعم الاستقرار والأمن والأمان في منطقة الشرق الأوسط.

الأمر الذي استوجب من الرئيس الأمريكي ترامب، وعبر مبعوثه الشخصي إلى سوريا والعراق توم بارك، شكر الرئيس نيجرفان بارزاني وتقدير جهوده في إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

إن الأسباب الرئيسية الكامنة وراء الاستهداف الإيراني غير المبرر لقوات البيشمركة تتجلى في الكثير من الأمور، ومن أهمها ضرب قيم الكردايتي التي تتصف بها قوات البيشمركة عبر تاريخها النضالي المقاوم لكل أشكال التآمر، وإفشال كافة محاولات كسر إرادة الشعب الكوردي وعزيمته.

لذلك فإن قوات البيشمركة تعتبر الإرث النضالي القومي لكوردستان، كما أن إيران حاولت عبر هذا الاستهداف لقوات البيشمركة تشويه صورة البيشمركة من خلال ربط صورتها ونضالها وقيمها بحجج بعيدة كل البعد عن الواقع، من خلال ربطها بكل أشكال التآمر مع الموساد أو القوات الأمريكية.

وكذلك عبر هذا الاستهداف حاولت إيران ضرب اللحمة والوحدة والتكاتف بين الشعب الكوردي وقوات البيشمركة، عبر إيهام قوات البيشمركة بالعمالة والخيانة في حماية القوى المعادية للإسلام والمسلمين، ويهدف هذا الاستهداف إلى محاولة تحطيم صورة البيشمركة أمام العالم، والتقليل من إنجازات قوات البيشمركة في كسر أسطورة القاعدة وداعش وكافة القوى الظلامية.

إن السبب الآخر الكامن وراء استهداف إيران لقوات البيشمركة يتمثل في محاولتها جر قوات البيشمركة إلى الصراع والصدام المباشر مع الحرس الثوري والمنظومة الأمنية في إيران، من أجل إيجاد المبررات الكافية لضرب نجاحات وإنجازات إقليم كوردستان والتقدم الاقتصادي.

هذا الانجرار الذي رفضته قيادة إقليم كوردستان في الإعلان عن موقفها الواضح في الحياد والنأي بالنفس عن هذا الصراع. كما يأتي هذا الاستهداف في محاولتها تدمير البنية التحتية لإقليم كوردستان، كون صانع القرار الاستراتيجي الإيراني يدرك جيدا بأن إقليم كوردستان سيكون له الدور الكبير والاستراتيجي في التغيرات الجيوستراتيجية لليوم التالي من انتهاء هذا الصراع في الشرق الأوسط.

والتغيرات والتحولات الكبيرة في الشرق الأوسط بفضل القراءة الحكيمة لقيادة إقليم كوردستان للتحولات في المنطقة.

إن الدافع الآخر الكامن وراء استهداف إيران لقوات البيشمركة يتجلى في محاولات إيران ضرب كافة النجاحات التي حققتها قيادة إقليم كوردستان على الأصعدة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، التي تعكس مدى الاهتمام الدولي والإقليمي لقيادة إقليم كوردستان ودور إقليم كوردستان في المساهمة في المحافل الدولية والإقليمية المتعلقة بصنع القرارات المصيرية المتعلقة بالشرق الأوسط.

إن الأمر الآخر من وراء استهداف إيران لقوات البيشمركة يتعلق بضرب وحدة المصير والتلاحم المنبثقة عن الإيمان العميق بالمشروع القومي الكوردستاني، الذي يقوده المرجع الكوردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني، في دعم أجزاء كوردستان الأخرى، متمثلة في دعم قوات بيشمركة كوردستان سوريا، وكذلك قوات بيشمركة المعارضة لسياسات حكم الملالي والديكتاتورية الإيرانية.

بالتأكيد هذه القوات المتواجدة على أراضي إقليم كوردستان بدعم من المرجع الكوردستاني، منطلقا من واجبه القومي في دعم أخوته الكورد في أجزاء كوردستان كافة، وإحياء المشروع القومي الكوردستاني.

في المحصلة، يمكن القول بأن صانع القرار الإيراني الكامن وراء استهداف قوات البيشمركة يفتقر إلى القراءة الصحيحة والمنهجية لطبيعة الصراع، في الاعتقاد بأن قوات البيشمركة لا تقارن مع الجيوش العسكرية من حيث التسليح المتقدم في حسابات المعارك الإلكترونية.

ولكنه لم يدرك بأن عقيدة وإرادة قوات البيشمركة لا يمكن مقارنتها، وتعتبر أكبر وأعظم من أي قوة أخرى، كما أنه سيفشل في جر قوات البيشمركة ومحاولة دفعها إلى أي صراع إقليمي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجار أمين من المفارقات التاريخية القاسية أن التجارب السياسية التي يُراد لها أن تكون حلاً، قد تتحول بفعل الإهمال وسوء التقدير إلى مشكلة أشد وطأة من سابقتها، هذا تماماً ما حدث في مناطق شمال شرق سوريا، بعد اتفاق 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية. فما كان يُؤمَّل أن يكون “اندماجاً” يعيد اللحمة الوطنية ويحسن ظروف المعيشة،…

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

عبد الرحمن كلو قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟ تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن…