عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الجديدة

اكرم حسين

لم تكن شعلة “نوروز” التي أُوقدت هذا العام في دمشق إحياء لتقليد ثقافي عريق، بل كانت إيذاناً بانبلاج فجر سياسي جديد وتكريساً لنهج “سوريا المواطنة” التي بدأت تتبلور ملامحها بوضوح تحت قبة قصر الشعب، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً كردياً موسعاً ضم نخبة من السياسيين والأكاديميين والفعاليات الاجتماعية والنسائية من كافة مناطق التواجد الكردي، في مشهدٍ اختزل بجمالياته وتفاصيله إرادة التغيير وكسر قيود الماضي، إذ لم يعد الحديث باللغة الكردية أو ارتداء الزي التقليدي  ممارسة ثقافية في الخفاء، بل باتت هذه العناصر جزءاً أصيلاً في بنية الدولة وحضورها الرسمي في قلب العاصمة، وهو ما يمثل قطيعة معرفية وسياسية تامة مع “العهد البائد” الذي اتسم بسياسات الصهر القومي والإنكار الممنهج

 اختيار قصر الشعب لهذه التحولات  يحمل دلالة  بالغة العمق، فالمقر الرئاسي الذي طالما ارتبط في الذاكرة الجمعية السورية بثقافة الاستئثار والمركزية القمعية، شهد في هذا اليوم تحولاً جذرياً في دلالته المكانية، إذ تحول إلى فضاء للتعددية والاعتراف بالآخر، عندما ارتدى بعض أعضاء الوفد الزي الكردي التقليدي وتحدثوا باللغة الكردية التي كانت ممنوعة في العهد البائد، ليصبح قصر الشعب شاهداً على قطيعة جذرية مع نظرة النظام السابق التي كانت تختزل الهوية الوطنية في قالب أحادي وترى في التنوع الثقافي والعرقي تهديداً لا ثراءً ، وما يعمق هذه الدلالة هو تزامن اللقاء مع عيد النوروز، الذي قضت الأنظمة السابقة عقوداً في محاولة طمسه ومنع الاحتفال به، وسقط عدد من الشهداء في سبيله ،  ليتحول بذلك إلى عيد وطني معترف به رسمياً، في تأكيد عملي على أن الدولة الجديدة لم تعد تنظر إلى الشعب الكردي بعين الريبة، بل باتت تشاركه فرحته وتعترف بتراثه الثقافي.

وفي ذات السياق يمثّل المرسوم 13 عن تبني الدولة لرؤية جديدة للهوية الوطنية السورية ،  اذ تقوم على الاعتراف بالتعدد والغنى الثقافي بدلاً من إنكاره. فقد شكل منع التحدث باللغة الكردية لعقود طويلة واحداً من أقسى أشكال القمع الثقافي التي مارستها الأنظمة السابقة، وكان هذا المنع يعبّر عن نظرة اختزالية للوطنية السورية ترفض التعدد وترى فيه خطراً على الوحدة الوطنية ، وبالتالي جاء إقرار اللغة الكردية كلغة  “وطنية” ليصحح مساراً تاريخياً ، ويؤسس لمفهوم جديد للوحدة لا يقوم على التوحيد القسري بل على الاعتراف بالتنوع كأساس لها ، فالوحدة الحقيقية  لا تُبنى عبر طمس الخصوصيات وإنما عبر الاعتراف بها وتكريسها ضمن إطار وطني جامع.

ان أثر هذا التحول يجب أن يمتد إلى ما هو أبعد من الجانب الرمزي، ليعيد تشكيل العقد الاجتماعي بين الدولة ومكونات المجتمع السوري. فالاستقبال الرئاسي لوفد كردي في قصر الشعب، والإنصات لمطالبهم والاحتفاء بتراثهم، يرسم نموذجاً جديداً للعلاقة بين المركز والأطراف، ويؤسس لثقافة سياسية تقوم على الحوار والمشاركة بدلاً من الإقصاء والقمع ، وحضور الوفد من كافة مناطق التواجد الكردي، وبمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية واجتماعية ونسائية، يعكس اتساع الخطاب الوطني الجديد لاستيعاب كل التنوعات داخل المكون الكردي نفسه، ويؤكد أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تكون كاملة ما لم تشمل كل الفئات والقطاعات.

ما يميز هذه الخطوة أنها جاءت مترافقة مع معالجة فعلية لبعض المظالم التاريخية، فالاعتراف بالكينونة الكردية وإقرار اللغة والنوروز ليس مجرد تنازلات تكتيكية ، بل  تأسيس لدولة تقوم على الاعتراف بالمظالم كمدخل أساسي للمعالجة، وبدون هذا الاعتراف تظل الجروح مفتوحة وتبقى إمكانية العودة إلى سياسات الإقصاء قائمة ، وهنا تكمن أهمية اللقاء في كونه ترجمة عملية للنصوص القانونية إلى واقع سياسي، وتأكيد على أن الدولة الجديدة جادة في تجاوز ماضيها.

الانعكاسات المستقبلية لهذا التحول تتجاوز حدود التعامل مع المكون الكردي لتصل إلى صميم مشروع بناء الدولة السورية الجديدة. فهذه الخطوة تؤسس لنموذج الدولة المدنية القائمة على المواطنة ، حيث يجب أن ينعم كل سوري بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الديني أو الثقافي بحقوقه كاملة، كما تفتح الباب أمام نقاش جدي حول اللامركزية والإدارة المحلية الموسعة ، وتجربة التعامل مع الخصوصية الكردية قد تكون نموذجاً يمكن البناء عليه في التعامل مع بقية المكونات السورية، بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة واحترام الخصوصيات.

والأهم من كل ذلك يجب أن يشكل هذا التحول ضمانة حقيقية للاستقرار طويل المدى، فالتجارب العالمية أثبتت أن الدول التي تستوعب تنوعها وتكرس حقوق جميع مكوناتها هي الأكثر استقراراً، بينما الدول التي تعتمد سياسات القمع والتهميش تكون عرضة للصراعات الداخلية ، وهنا تكمن رسالة اللقاء إلى الداخل والخارج على حد سواء: سوريا الجديدة تختار طريق الاستقرار عبر الاعتراف والشراكة، وتعيد الاعتبار لدولتها ومؤسساتها التي تتحول من رمز للقمع إلى فضاء للشراكة الوطنية.

غير أن الطريق لا يزال طويلاً، فهناك تحديات قانونية تتعلق بتضمين هذه المكاسب في الدستور الدائم لضمان استمراريتها، وتحديات عملية في تفعيل إقرار اللغة الكردية في المؤسسات الرسمية والتعليم والإعلام، وتحديات سياسية في توسيع نطاق المشاركة وترجمة النوايا إلى سياسات وبرامج ملموسة على الأرض.  لأن الاعتراف بالحقوق خطوة ضرورية لكنها غير كافية، والأهم هو تفعيل هذا الاعتراف في واقع المواطن الكردي وفي حياة كل السوريين.

في النهاية، يمكن القول إن لقاء الرئيس الشرع بالوفد الكردي في قصر الشعب، والمرسوم 13 الذي سبقه، يمثلان لحظة فارقة في تاريخ سوريا، لحظة قطيعة مع ماض من القمع والتهميش، ولحظة تأسيس لمستقبل قائم على الاعتراف والشراكة.

ما تحقق انطلاقة لمرحلة جديدة في بناء الدولة السورية، بحيث تعترف بتنوعها وتكرس حقوق جميع مكوناتها، وتبني وحدتها الوطنية على أسس متينة من العدالة والمساواة ، وهو طريق طويل، لكن خطواته الأولى بدأت تحمل في طياتها وعداً بسوريا جديدة تليق بجميع أبنائها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صالح بوزان دادالي من خلال ما جرى ويجري في سوريا منذ هروب بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، يتبيّن أن الشعب السوري، عندما قام بالانتفاضة (الثورة) ضد نظام آل الأسد، والتي دفع ثمنها السوريون عشرات الآلاف من أبنائه ضحايا، ناهيك عن الدمار الهائل في البنية التحتية وتخريب البلاد، لم يكن هدفه كما كان يُطرح إسقاط الطاغية والتخلص…

خالد حسو في البداية، وقبل الخوض في أي نقاش سياسي أو دستوري يتعلق بالشأن الكوردي، لا بدّ من الاتفاق على تحديد دقيق لمفهوم القضية الكوردية من حيث معناها وأبعادها القانونية والسياسية . ينبغي أن ينطلق هذا التحديد من مسلّمة أساسية، وهي الإقرار بأن الكورد يشكّلون شعبًا له هويته القومية وتاريخه المشترك، ويحمل قضية سياسية قائمة بذاتها، وليست مجرد مسألة “مكوّن”…

فيصل اسماعيل اسماعيل   لم يكن نوروز عام 1986 مجرد مناسبة احتفالية للكورد في دمشق، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية كشفت حجم القمع، وأظهرت في المقابل إرادة شعب رفض أن يُمنع من التعبير عن هويته. بدأت الشرارة حين منعت السلطات السورية، عبر وزارة الداخلية، إقامة احتفال نوروز، واحتجزت فرقة آزادي التابعة للبارتي داخل مقر تدريبها، مانعةً إياها من التوجه إلى…

د. محمود عباس بعد كل ما سبق من تحليل للصراع، وموجات الكراهية، والتوازن السلبي، والتدخلات الخارجية، تبقى الحقيقة الأبسط هي الأكثر إلحاحًا، لا يمكن لأي مشروع كوردي في غربي كوردستان أن يستمر إذا ظل أسير التنافس الحزبي الضيق. فالأحزاب أدوات، أما كوردستان فهي الإطار الجامع. وحين تنقلب المعادلة في الوعي العام، وتصبح الأحزاب معيارًا أعلى من القضية، يتحول المشروع الوطني…