نوروز 1986: حين تحوّل العيد إلى انتفاضة… والرصاص إلى شاهد على الهوية

فيصل اسماعيل اسماعيل

 

لم يكن نوروز عام 1986 مجرد مناسبة احتفالية للكورد في دمشق، بل تحوّل إلى لحظة مفصلية كشفت حجم القمع، وأظهرت في المقابل إرادة شعب رفض أن يُمنع من التعبير عن هويته. بدأت الشرارة حين منعت السلطات السورية، عبر وزارة الداخلية، إقامة احتفال نوروز، واحتجزت فرقة آزادي التابعة للبارتي داخل مقر تدريبها، مانعةً إياها من التوجه إلى قرية بزينة في الغوطة الشرقية حيث كان الحفل مقررًا.

هذا القرار فجّر غضبًا واسعًا في حي الأكراد، حيث خرج الشباب في تحرك عفوي لفك الحصار عن الفرقة. ومع تصاعد التوتر ومنع الجماهير من الوصول إلى مكان الاحتفال، تجمعت الحشود عند مداخل الغوطة قبل أن تعود إلى الحي، لتبدأ مرحلة جديدة من التصعيد الشعبي.

بتوجيه من القيادي عبد الرحيم وانلي، وبمشاركة نشطاء من فرقة آزادي، تحولت الحركة إلى مسيرة جماهيرية اتجهت نحو القصر الجمهوري في حي المهاجرين. ورغم محاولات بعض الأطراف حرف المسار، تمكنت قيادة البارتي من ضبط الشعارات وتوجيهها نحو مضمون وطني، ليتردد الهتاف: “بالروح بالدم نفديك يا نوروز”.

لكن الرد جاء عنيفًا؛ إذ أطلقت قوات الأمن الرصاص الحي على المتظاهرين، فسقط القاصر سليمان أدي شهيدًا، وأصيب آخرون. حاول المحتجون حماية هوية الشهيد بإخفاء وثائقه، في خطوة تعكس وعيًا أمنيًا عاليًا، فيما نُقل الجرحى إلى مشافي دمشق وسط حالة استنفار.

لم تتوقف المواجهة عند هذا الحد، بل امتدت إلى محاولة الأجهزة الأمنية سرقة جثمان الشهيد لدفنه سرًا. إلا أن تحركًا منظمًا لطلبة كورد في كلية الطب، بتكليف من القيادة، أحبط المحاولة، وتم تأمين نقل الجثمان إلى القامشلي، رغم قطع الاتصالات ومنع وسائل النقل. هناك، استُقبل الشهيد بجنازة حاشدة، ودفن في حي المحمقية وسط غضب جماهيري واسع.

سياسيًا، تركت الحادثة أثرًا واضحًا، إذ اضطر النظام إلى إصدار قرار باعتبار 21 آذار عطلة رسمية تحت مسمى عيد الأم، في محاولة لامتصاص الغضب، مع طرح لقاء مع وفد من حي الأكراد، لكنه لم يُستكمل.

تكشف أحداث نوروز 1986 أن منع الاحتفال لم يُنهِ المناسبة، بل حوّلها إلى انتفاضة، ورسّخها كرمز للنضال والهوية. يومها، لم يكن نوروز مجرد عيد… بل كان اختبارًا لإرادة شعب، وذكرى لدمٍ لم يذهب سدى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني. ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو…

حسن قاسم إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء…

مهند محمود شوقي لم تعد المدن الحديثة تُبنى بالخرسانة وحدها، فنجاح المدينة في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور والمباني التي تنشئها، بل بقدرتها على توفير بيئة تجعل حياة الإنسان أكثر جودة واستقراراً. فالمساحات العامة، والطاقة المستدامة، والأمن المائي، والهوية الحضرية، أصبحت اليوم جزءاً من تعريف التنمية بقدر أهمية البنية التحتية التقليدية. ومن هذا المنطلق،…

د. محمود عباس تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند…