سجن الحسكة… حين احترق الجسد وبقيت الذاكرة.

ماهين شيخاني

في مثل هذا اليوم، لا تُستعاد الذكرى فقط…
بل يُستعاد وجعٌ لم يهدأ، وعدالةٌ لم تتحقق.
في 23 آذار 1993، داخل جدران سجن الغويران في مدينة الحسكة، لم يكن السجناء الكورد ينتظرون الحرية…
بل كانوا ينتظرون الحد الأدنى من الإنسانية.
لكن ما حدث لم يكن مجرد انتهاك،:بل كان جريمة مكتملة الأركان، حين تحوّل السجن إلى محرقة، وأُغلقت الأبواب على أجسادٍ أعزلها القيد… وابتلعها اللهيب.
جريمة بلا ذاكرة رسمية
مرّت 32 عاماً،
ولا يزال السؤال معلقاً:
من حاسب؟
من اعتذر؟
من اعترف؟
لا شيء.
كما لو أن الضحايا لم يكونوا بشراً، وكأن الجريمة لم تكن سوى رقمٍ في أرشيف منسي.
لكن الحقيقة التي لم يدركها الجناة:
أن الجرائم التي تُرتكب في الظلام، تعيش أطول في ذاكرة الشعوب.
الكورد… ذاكرة لا تُحرق
لم تكن مجزرة سجن الغويران حادثة معزولة،
بل كانت امتداداً لسياسة طويلة من القمع والإنكار، حيث كان الكوردي يُعاقب…
ليس لذنبٍ اقترفه، بل لهويةٍ يحملها.
ومع ذلك، لم تنجح كل تلك السياسات في كسر الإرادة، بل صنعت ذاكرة أكثر صلابة.

ذاكرة تقول:
إن الحريق قد يلتهم الجسد…
لكنه يعجز عن إطفاء الحقيقة.

بين الأمس واليوم

اليوم، ونحن نستذكر سجن الحسكة ( الغويران)، لا نفعل ذلك للبكاء على الماضي فقط، بل لنفهم الحاضر، ونحذر من تكرار المأساة.
فالعدالة التي لا تتحقق،ةلا تموت…
بل تتحول إلى سؤال مفتوح في وجه التاريخ.

سجن الغويران ليست ذكرى… بل قضية
هذه الذكرى ليست طقساً سنوياً، وليست مناسبة عاطفية عابرة،
بل هي:
مطالبة بالعدالة
إدانة للصمت
تذكير بأن الدم لا يُنسى

في سجن الغويران،
لم يحترق السجناء فقط…
بل احترق وجه الحقيقة أمام العالم.
لكن رغم كل شيء، بقيت الذاكرة…
وبقي السؤال…
إلى متى؟

المجد والخلود لشهداء سجن الحسكة…
والعار لكل من صمت، وتجاهل، وتواطأ مع الجريمة. 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…