قانون الأحزاب في سوريا الجديدة: بين التعددية الوطنية وحقوق الكورد السياسية

أحمد آلوجي

بعد سقوط النظام الأسدي، لم تعد المسألة السورية محصورة في إسقاط بنية الاستبداد القديمة فحسب، بل انتقلت إلى سؤال أكثر عمقاً وحساسية، هو سؤال بناء الدولة الجديدة على أسس قانونية وسياسية عادلة. وفي مقدمة هذه الأسئلة يبرز موضوع قانون ترخيص الأحزاب السياسية، بوصفه واحداً من أهم المفاصل التي ستكشف حقيقة الاتجاه الذي تسلكه السلطة الجديدة: هل تتجه نحو دولة مواطنة تعددية تعترف بالمجتمع كما هو في تنوعه القومي والديني والسياسي والفكري، أم أنها ستعيد إنتاج العقل الأمني القديم ولكن بلغة دستورية جديدة؟ إن غياب قانون واضح وعادل للأحزاب في المرحلة السورية الراهنة لا يشكل مجرد نقص تقني في البنية القانونية، بل يعكس فراغاً خطيراً في تنظيم المجال العام، ويترك الباب مفتوحاً أمام الانتقائية والتمييز والتأويل السياسي، ولا سيما في بلد متعدد كالسوريين، حيث تتداخل الانتماءات القومية والدينية والمناطقية مع الإرث الثقيل لعقود القمع والإقصاء.

إن أي دولة تريد أن تدخل فعلاً في مرحلة ديمقراطية لا بد أن تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن تأسيس الأحزاب هو حق أصيل من حقوق المجتمع، وليس منحة تمنحها السلطة متى شاءت وتحجبها متى شاءت. فالمعايير الديمقراطية الحديثة لا تنظر إلى الحزب بوصفه خطراً أولياً على الدولة، بل باعتباره أداة من أدوات التعبير والتنظيم والمشاركة في تشكيل الإرادة العامة. ولهذا تميل أغلب النظم الديمقراطية المعاصرة إلى جعل الأصل هو حرية تأسيس الحزب بالإخطار أو بإجراءات قانونية ميسرة، على أن تكون القيود استثنائية ومحددة بدقة، وتتعلق فقط بحظر العنف والتحريض على الكراهية أو تقويض النظام الديمقراطي بالقوة. أما جعل الترخيص رهناً برضا السلطة التنفيذية أو بمزاج الأجهزة الإدارية، فهو في الحقيقة عودة مستترة إلى بنية الحزب الواحد حتى وإن تعددت الأسماء والأشكال.

وفي هذا السياق، لا يبدو من الحكمة أن تعتمد الدولة السورية الجديدة معيار الحجم التنظيمي وحده للاعتراف بالحزب أو لترخيصه. فعدد الأعضاء قد يكون مؤشراً على الجدية التنظيمية في حدوده الدنيا، لكنه لا يمكن أن يكون معياراً فاصلاً للحياة السياسية، لأن الأحزاب الناشئة أو تلك التي تمثل فئات اجتماعية أو قومية معينة قد تكون محدودة العدد لكنها ذات حضور سياسي وفكري حقيقي. وقد حذرت الأدبيات المقارنة والتوصيات الدولية من الشروط التعجيزية المتعلقة بعدد المؤسسين أو حجم العضوية، لأنها كثيراً ما تتحول إلى أدوات لإقصاء الأحزاب الصغيرة والمستقلة، ولمنح الأفضلية للقوى الكبيرة أو المدعومة من السلطة. كذلك فإن اشتراط الانتشار الأفقي والشاقولي في مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية كشرط سابق للترخيص يبدو في ظاهره وطنياً، لكنه في جوهره قد يتحول إلى آلية تمييزية ضد الأحزاب التي تعبر عن مكونات قومية أو ثقافية أو مناطقية محددة. فالحزب الذي ينشأ للتعبير عن مصالح شريحة قومية معينة لا يفقد شرعيته لأنه لا ينتشر في كل البلاد، كما أن الحزب البيئي أو العمالي أو الليبرالي لا يُطلب منه أن يكون ممثلاً لكل الفئات حتى يُعترف به. الديمقراطية لا تشترط على الحزب أن يمثل الجميع، بل تشترط عليه أن يحترم قواعد العمل السلمي والدستوري.

ومن هنا تبرز أهمية التجارب العالمية التي يمكن لسوريا أن تستفيد منها في هذه المسألة. ففي ألمانيا، وهي من أكثر الديمقراطيات حرصاً على حماية النظام الدستوري، لا تُحظر الأحزاب لمجرد خلفيتها الأيديولوجية أو هويتها الخاصة، وإنما فقط إذا ثبت قضائياً أنها تعمل بصورة فعلية على تقويض النظام الديمقراطي الحر. وهذا يعني أن معيار الشرعية ليس هو هوية الحزب، بل سلوكه السياسي ووسائله وأهدافه العملية. وفي إسبانيا، ورغم خصوصية المسألة القومية فيها، تشارك أحزاب باسكية وكتالونية ذات مرجعيات قومية واضحة في الحياة السياسية والبرلمانية بصورة طبيعية، ولم يكن وجودها في حد ذاته سبباً للحظر أو الرفض، بل بقي الفيصل هو الموقف من العنف ومن احترام النظام الدستوري. وفي بلجيكا وكندا والمملكة المتحدة أمثلة أخرى على قبول الأحزاب التي تمثل هويات قومية أو لغوية أو مناطقية، ضمن إطار الدولة الواحدة، من دون أن يعد ذلك مساساً بالوحدة الوطنية، بل على العكس، كان الاعتراف بالتعدد أحد أسباب الاستقرار. أما النموذج التركي، الذي يُطرح أحياناً بوصفه مرجعاً في المنطقة، فهو يقدم في هذا الباب مثالاً تحذيرياً أكثر من كونه مثالاً يُحتذى، لأن الدولة التركية الطويلة العهد استخدمت على امتداد عقود القضاء والدستور ونسب الحسم الانتخابي المرتفعة وأدوات الحظر السياسي لتضييق المجال أمام الأحزاب الكردية، فكان الناتج توتراً مزمناً بين الدولة والمجتمع الكردي، لا اندماجاً وطنياً صحياً. إن استلهام هذا النموذج في سوريا لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة القومية بصيغة قانونية جديدة، وسيبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدولة الجديدة لم تتجاوز بعد عقدة الخوف من التنظيم القومي غير العربي.

أما في الحالة السورية تحديداً، فإن التعامل مع الأحزاب الكوردية يجب أن ينطلق من الاعتراف أولاً بأن الكورد مكون أصيل من مكونات البلاد، وليسوا تجمعاً محلياً معزولاً يمكن حصره في بقعة جغرافية واحدة. فالكورد موجودون في الجزيرة وعين العرب وعفرين، لكنهم أيضاً موجودون في دمشق وحلب وحماه وسواها من المدن السورية، أي أن حضورهم ليس ريفياً صرفاً ولا حدودياً صرفاً، بل هو جزء من النسيج السوري العام. ومن ثم فإن اختزال الأحزاب الكوردية في كونها أحزاباً “مناطقية” أو “هامشية” سيكون خطأ سياسياً وقانونياً بالغاً. صحيح أن الساحة الكوردية تعاني من كثرة حزبية واضحة، بل من نوع من التضخم الهندسي في عدد الأطر والتنظيمات قياساً بحجم الكتلة التنظيمية الفعلية لكل منها، لكن علاج هذه المشكلة لا يكون عبر الإقصاء أو المنع، بل عبر قانون عادل يشجع على الاندماج الطوعي، وعلى الشفافية الداخلية، وعلى التنافس الديمقراطي الطبيعي. فحين تتوافر بيئة قانونية سليمة وانتخابات حرة وتمويل شفاف وفرص متكافئة في الإعلام والعمل العام، ستعيد الأحزاب الصغيرة والمتشابهة تموضعها تلقائياً، وسيفرز المجتمع الأطر الأكثر تمثيلاً وحضوراً. أما إذا تم اللجوء إلى المنع المسبق أو الشروط التعجيزية، فإن ذلك سيدفع التعدد القائم إلى مزيد من التشظي والتوتر، وربما إلى فقدان الثقة بالدولة نفسها.

إن الدولة السورية الجديدة لا تحتاج إلى محاربة الأحزاب القومية الكوردية، بل تحتاج إلى وضع قواعد عامة تنطبق على الجميع من دون تمييز. فيجوز مثلاً اشتراط حد أدنى معقول لعدد المؤسسين، وفرض العلنية والشفافية المالية، ومنع الارتباط العسكري أو التشكيلات المسلحة، ورفض البرامج التي تدعو صراحة إلى العنف أو العنصرية أو التطهير أو الكراهية. لكن لا يجوز، إذا أرادت سوريا أن تكون دولة حديثة، حظر الحزب لأنه كوردي، أو لأنه يدافع عن الاعتراف الدستوري بالقومية الكوردية، أو لأنه يطالب باللامركزية السياسية أو الإدارية، أو لأنه يركز نشاطه في مناطق ذات كثافة كردية أو بين جمهور كردي في مدن سورية كبرى. الفارق كبير بين حزب يدافع سلمياً عن حقوق قومية وثقافية ضمن الدولة، وبين حزب يتبنى العنف أو الإقصاء أو التفكيك القسري للدولة. وإذا لم تميز السلطة المقبلة بين الأمرين، فإنها ستكرر أخطاء الماضي نفسها، وربما بشكل أشد خطورة لأنها ستفعل ذلك باسم الشرعية الجديدة لا باسم الاستبداد القديم.

وفي ما يتعلق بالإعلان الدستوري في المرحلة الانتقالية، فإنه يستطيع من حيث المبدأ أن يؤسس لهذا الحق السياسي، لكنه لا يكفي وحده ما لم يتضمن نصوصاً واضحة وصريحة تحمي حرية التنظيم الحزبي، وتحظر التمييز على أساس القومية أو الدين أو اللغة أو الرأي السياسي، وتمنع حل الأحزاب أو منعها إلا بحكم قضائي مستقل. فالإعلانات الدستورية الانتقالية غالباً ما تكون عامة ومقتضبة، وإذا لم تُستكمل بقانون أحزاب عصري وقانون انتخابات عادل وقضاء دستوري مستقل، فإنها تبقى إطاراً ناقصاً لا يوفر الضمانات الكافية. لذلك فإن الحد الأدنى المطلوب سورياً ليس مجرد نص إنشائي عن الحرية السياسية، بل منظومة متكاملة تبدأ بالاعتراف الدستوري بالتعدد القومي والثقافي، وتمر بقانون أحزاب يقوم على الإباحة الأصلية لا على المنع الأصلي، وتنتهي بنظام انتخابي لا يعاقب الأحزاب الصغيرة أو المكونات غير الكبرى عبر نسب حسم مرتفعة أو دوائر مفصلة على قياس القوى النافذة.

إن المسألة في جوهرها ليست كيف تضبط الدولة الأحزاب، بل كيف تعترف بالمجتمع من دون خوف. فالدولة الواثقة من شرعيتها لا ترى في الحزب الكوردي أو السرياني أو الإسلامي أو اليساري تهديداً تلقائياً، بل ترى فيه تعبيراً عن التنوع الطبيعي داخل المجتمع. أما الدولة التي تبدأ من الريبة، فإنها ستكتب قانون أحزاب هدفه الضبط والإقصاء لا التنظيم والتمثيل. ولهذا فإن مستقبل سوريا الديمقراطي سيتحدد إلى حد بعيد في الطريقة التي ستعالج بها هذه المسألة: هل ستفتح الباب أمام تعددية سياسية حقيقية تشمل الكورد بوصفهم شركاء كاملي الحقوق في الوطن، أم ستعيد إنتاج المركزية القومية القديمة ولكن بأدوات قانونية جديدة؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي للدولة السورية الجديدة، وهو أيضاً أحد الشروط الأساسية لقيام نظام دستوري حديث ينسجم مع الحد الأدنى من التجارب الدستورية العالمية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في نوروز عام ١٩٨٦ واجه حراس القصر الجمهوري بدمشق بعهد الرئيس المقبور حافظ الأسد ، موكب نوروز المنظم من قبل تحالف الثنائي الحزبي ( الاتحاد الشعبي الكردي ، والديموقراطي الكردي ) باطلاق النيران واستشهاد ( سليمان ادي ) ، وبعد أربعين عاما بالتمام والكمال يستقبل الرئيس الانتقالي السيد احمد الشرع نحو أربعين شخصا كرديا بالقصر الجمهوري بينهم حزبييون…

ماهين شيخاني في مثل هذا اليوم، لا تُستعاد الذكرى فقط… بل يُستعاد وجعٌ لم يهدأ، وعدالةٌ لم تتحقق. في 23 آذار 1993، داخل جدران سجن الغويران في مدينة الحسكة، لم يكن السجناء الكورد ينتظرون الحرية… بل كانوا ينتظرون الحد الأدنى من الإنسانية. لكن ما حدث لم يكن مجرد انتهاك،:بل كان جريمة مكتملة الأركان، حين تحوّل السجن إلى محرقة، وأُغلقت الأبواب…

خالد حسو في كثيرٍ من النقاشات العامة، يُلاحظ انحرافٌ متزايد عن جوهر الحوار، حيث يتم الانتقال من مناقشة الأفكار والآراء والبرامج إلى توجيه الإهانات الشخصية. هذا التحول لا يُضعف فقط قيمة الطرح، بل يُفرغ النقاش من مضمونه المعرفي، ويُعيق الوصول إلى فهمٍ حقيقي أو نتائج بنّاءة. إن هذا النمط من الخطاب يُصنّف ضمن ما يُعرف بـ مغالطة الشخصنة، حيث يتم…

(ولاتي مه) – فرايبورغ – خاص : نظمت جمعية DAR e.V. احتفالية نوروز لهذا العام في مدينة فرايبورغ، بالتعاون مع جمعية آشتي في مدينة فيلينغن، وسط حضور جماهيري لافت، ومشاركة عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية الالمانية. والقيت خلال الفعالية كلمات عدة، حيث القت السيدة فين كوتي كلمة نيابة عن السيد يوهانس فيشنر، عضو البرلمان الالماني عن حزب SPD، اكد فيها…