عبدالجابر حبيب
النار التي تُضيء… لا التي تُعبد:
في رمزية إشعال النار عند الكورد بين التاريخ والافتراء، و حين يُساء فهم الضوء.
هناك ثمة نارٌ تُشعلها الشعوب لتدلّ الطريق، لا لتسجد له. وثمة جهلٌ يُشعلُه البعض ليحجب به المعنى، لا ليكشفه.
ومن بين أكثر صور الالتباس فجاجةً، تلك التي تُلصَق بالكورد: “عبدة النار”.
وهي تهمةٌ لا تستند إلى معرفةٍ، ولا إلى تاريخ، بل إلى رغبةٍ قديمةٍ في تشويه الآخر، وتجريده من عمقه الحضاري والروحي. وفي النهاية على الجميع أن يدرك الحقيقة أن ليست كلُّ نارٍ معبوداً، ولا كلُّ لهبٍ كفراً.
– النار في الوجدان الكوردي:
حين يُشعل الكوردي النار في عيد نوروز، فهو لا يستدعي إلهاً، بل يستدعي لحظة تحرر.
النار هنا ليست معبوداً، بل إعلانٌ رمزيٌّ لانكسار الظلام، وهي ذاكرة مقاومة لا طقس عبادة
ترتبط هذه الشعلة بأسطورة كاوا الحداد، الذي أشعل النار على قمم الجبال إيذاناً بسقوط الطاغية الضحاك.
لم تكن النار هنا طقساً دينياً، بل بلاغاً سياسياً بلغة الضوء. إنها، ببساطة، لحظة إعلان على أن الظلم لا يُطفأ إلا بنارٍ مضادة.
– النار رمزٌ كوني لا خصوصية كوردية:
من السذاجة أن يُختزل رمزٌ كونيٌّ في تهمةٍ محلية.
النار، عبر التاريخ الإنساني، كانت علامة الطهارة عند أتباع الزرادشتية، وسيلة إنذارٍ وإشارةٍ في الحروب
شعلةً في الثورات، من الثورة الفرنسية إلى حركات التحرر الحديثة؛ حتى في التراث العربي الإسلامي، لم تكن النار غريبة، فقد أُوقدت المشاعل في المسيرات، وفي مواكب النصر، وفي الليالي التي سبقت الثورات، كانت النار لغة الجماعة حين تعجز الكلمات، فلماذا تصبح، عند الكورد فقط، تهمةً؟
– الزرادشتية وسوء التأويل:
كثيراً ما يُستدعى اسم الزرادشتية لتثبيت تهمة “عبادة النار”.
لكن الحقيقة التاريخية أكثر دقة وعمقاً.
أسسها النبي زرادشت، ودعت إلى الإيمان بإلهٍ واحد “أهورامزدا”
النار فيها رمز للنور الإلهي والحقيقة، لا موضوع عبادة
تُعد من أقدم الديانات التي طرحت مفاهيم الخير والشر، والثواب والعقاب
وقد أشار مؤرخون كُثر، مثل هيرودوت، إلى طقوس الاحتفالات عند الشعوب التي تشعل النار فلم يصفوها بعبادة النار، بل باعتبارها تعبيراً رمزياً عن النقاء.
كما إن بعض الباحثين المعاصرين يرون أن الزرادشتية مهّدت فكرياً لفكرة التوحيد الأخلاقي التي ستظهر لاحقاً في الديانات السماوية.
– الكورد والإسلام: حضورٌ لا يمكن محوه
لو كان الكورد “عبدة نار”، كما يدّعي الجهل،
فكيف يفسَّر هذا الحضور العميق في الحضارة الإسلامية؟
من الكورد خرج:
صلاح الدين الأيوبي، الذي أعاد القدس وكتب صفحةً مضيئة في التاريخ الإسلامي
ابن تيمية، أحد أبرز علماء الفكر الإسلامي (ذو أصول كوردية)
عشرات الفقهاء والمحدثين والمتصوفة الذين ملأوا مكتبات الإسلام علماً
لم يكن الكورد على هامش الإسلام، بل في قلبه.
شاركوا في دوله، وعلومه، وجهاده، وثقافته.
– التهمة: حين يتحول الجهل إلى خطاب
المشكلة ليست في اختلاف الفهم، بل في سوء النية.
فبعض الخطابات الشوفينية لا تبحث عن الحقيقة، بل عن أداةٍ للإقصاء. حين يُقال “عبدة نار”،
فالمقصود ليس توصيفاً دينياً، بل طعناً في الهوية.
إنه خطابٌ يحاول تجريد الكورد من انتمائهم الإسلامي، و تشويه رموزهم الثقافية، وتحويل رمزية إنسانية إلى وصمة، وهو، في جوهره، خطاب ضعفٍ، لا خطاب معرفة.
ـ ليس كلُّ سؤالٍ طلباً للمعرفة:
حين يتخفّى الإقصاء في هيئة سؤال، نرى
أن بعضُ الأسئلة تُصاغ بنية الإقصاء، لا بنية الفهم.
يُقال: ما حكم عيد نوروز في الإسلام؟
لكن سرعان ما ينكشف المقصود في العبارة التالية: “هذول شنو وضعهم؟”. أي أنه يقصد الكورد.
هنا لا يعود السؤال فقهياً، بل يتحول إلى محاولةٍ لاقتلاع الكورد من انتمائهم الإسلامي،
ووضعهم في خانةٍ ملتبسة، كأنهم خارج التصنيف، خارج التاريخ، خارج الدين.
إنها ليست فتوى، بل محاكمة مُضمَرة، يُستدعى فيها شعبٌ كامل ليُجيب عن تهمةٍ لم يرتكبها.
وإذا كان الله قد جعل من قبس النار هدايةً لنبيّه موسى، فكيف تُدان النار حين تُشعلها الشعوب إعلاناً للحرية؟
ـ النار التي تكشف العتمة
النار التي يُشعلها الكوردي ليست سجوداً، بل شهادة.
شهادة على أن الظلام لا يدوم،
وأن الشعوب التي تحفظ رموزها، لا تُهزم بسهولة.
أما الذين يخافون من الضوء،
فسيواصلون تسميته ناراً…
كي لا يعترفوا أنه يكشف وجوههم.