شيروان ملا إبراهيم
شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي ودبلوماسي متراكم، واستعدادٍ مبكر لمثل هذه التحولات الإقليمية.
إن الأدوار الأخيرة التي تلعبها أربيل في ظل التحولات المتسارعة على مستوى المنطقة تجعلها ليست عاصمة لإقليم كوردستان فحسب، بل واحدة من أهم العواصم الصاعدة في صناعة القرار والتوازنات لعام 2026، وبالتحديد فيما يتعلق بدول الجوار أيضاً: سوريا وتركيا وإيران، وعبر البوابات الكوردية. فضلاً عن ذلك، فإنها تتحول إلى غرفة عمليات دبلوماسية في ظل وجود قوات عسكرية متنوّعة لدول عظمى ومؤثرة، ولاسيما أنها تحتضن استثمارات لدول متناقضة ومتنافسة.
بعد بروز مبادرة السلام في تركيا وتفعيلها منذ أواخر عام 2024، اتّجهت الأنظار إلى القيادة الكوردستانية للعب الدور الأهم في الوساطة بين القيادة التركية وحزب العمال الكوردستاني، وبين الدولة التركية والكورد في تركيا بصورة عامة، وهو ما لقي قبولاً من أطراف الصراع. وتجلّى ذلك في زيارة وفد حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Parti) إلى الرئيس مسعود بارزاني، وإلى شخصيات مؤثرة أخرى في الإقليم. ثم ما لبث أن برز احتضان أكبر لملف كورد سوريا بعد الاستقبال العلني لقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، إلى أن تطوّر الأمر فأصبح الرئيس مسعود بارزاني قائداً دبلوماسياً للملف الكوردي في سوريا ككل.
وتجلّى ذلك في أحداث كانون الثاني 2026، بعد اشتداد الصراع المسلح بين الحكومة السورية و”قسد”، وكيف جرت صياغة الاتفاقات وترتيبات التهدئة الفعلية في أربيل، لا في مكان آخر، وبحضور مباشر من مبعوث الرئيس الأميركي توم باراك في أكثر من مناسبة. وهذا بحد ذاته دلّ على أن بوابة التعامل مع الملف الكوردي السوري أيضاً باتت في أربيل، وبرضا مختلف الأطراف.
الآن، وبعد انشغال العالم كله بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتجه الأنظار إلى الملف الكوردي الإيراني أيضاً بوصفه واحداً من أكثر النقاط حساسية، أثناء الحرب أو بعد انتهائها. لكن أي تواصل مع القيادات الفعلية لكوردستان إيران لن يكون إلا عبر قيادة إقليم كوردستان، التي تُعدّ الجهة الأكثر قدرة على التأثير في أي تحرك أو توقف كوردي إيراني، سياسياً كان أم عسكرياً. وهو ما حسمته قيادة كوردستان بقولها إنها لن تجعل أراضي الإقليم منصة للهجوم على الداخل الإيراني، لكنها في الوقت نفسه أبدت استعدادها للعب دور مهم في الوساطة والسلام. وهذا يعني أن القرار الكوردي الإيراني أيضاً، حرباً وسلماً مرتبط بأربيل كإحدى الساحات الأساسية لصياغة التفاهمات وترتيبات التهدئة.
ولهذا كان هناك تواصل مع الرئيس ترمب، ومع الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك مع السيد بافل طالباني، قبل أي تواصل علني مع قيادات كوردستان إيران. نعم، إقليم كوردستان ليس غرفة عمليات ضد إيران، لكنه مركز لإدارة التوازنات ومنع الانفجار الإقليمي على الحدود العراقية الإيرانية، رغم استمرار الأخيرة في الاعتداء على الإقليم، كما تفعل في عمق دول الخليج أيضاً.
إذن، ومن زاوية التأثير الجيوسياسي وإحداث التوازنات المتعددة، فإن إقليم كوردستان لم يعد مجرد إقليم، ولا حتى بمثابة دولة داخل دولة كما يصفه البعض، بل إن عاصمته أربيل تتحول لتكون، إلى جانب عواصم أخرى، واحدة من أهم عواصم القرار وصناعة السلام والتوازنات العابرة للحدود في شرق أوسط متصارع. فأنظار دمشق وأنقرة تتجه إليها بقوة فيما يتعلق ببعض ملفاتهما الداخلية المهمة والحساسة، كما أن العلاقات الاقتصادية مع عواصم الخليج العربي حققت قفزات كبيرة في السنوات الثلاث الأخيرة. وإلى جانب ذلك، تتركز فيها قيادة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، فضلاً عن وجود أكثر من 40 قنصلية وبعثة أجنبية، بما فيها ممثليات كبرى الدول، فضلاً عن قواعد عسكرية لدول مؤثرة على مستوى العالم.
========