في ذكرى انتفاضة الثاني عشر من آذار عام٢٠٠٤

المحامي محمود عمر

كانت الأعوام الأخيرة من العقد التسعيني أعوام قحط ومحل، تسببت في هجرة عشرات الآلاف من الكورد( شعب الله المهاجر) من مدنهم وقراهم ـ مرة أخرى ـ نحو دمشق وحلب وغيرها ، هائمين على وجوههم تائهين يبحثون عن لقمة عيش بكرامة لهم ولعائلاتهم ، في وطن تنكرت سلطاته المتعاقبة لكل أسس الشراكة، والتضحيات الجسام وحرمتهم ـ فقط كونهم خلقوا ـ كوردا ـ من أبسط الحقوق ومقومات الحياة واستبد بهم الطغيان والحزام الاحصاء والسياسات الاستثنائية طيلة عقود عديدة ورسمت على الوجوه والقلوب كل ملامح الحرمان والحزن والأسى.
في هذا الطقس القاسي ألج ـ مضطرا حيث لا فرص لتوظيفي أمنيا ـ في عالم المحاماة لأتخرج محاميا استاذا عام ألفان وثلاثة ، العام الذي حمل تحولات كبيرة للمنطقة والعالم، في هذا العام يسقط الصنم في بغداد ومعه يتهاوى مريدوه وأتباعه من أصحاب الفكر الشوفيني ، ويسطع نجم الكورد في( كوردستان العراق) في اقليم فيدرالي،إقليم يسارع و يسابق الزمن في سعيه للالتحاق بركب الدول المتقدمة وبناء ما دمره الطغاة والمستبدين من بشر وحجر وشجر طيلة العقود الماضية ومع الكورد في أقليم كوردستان العراق ينتعش آمال الكورد في بقية أجزاء كوردستان والعالم ومنهم أبناء الشعب الكوردي في سوريا في ان ليل الظلم لا بد ان ينجلي ، وأنه لا بد للقيد أن ينكسر، يشتد غيظ أيتام الصنم ـ حيث لم يعد لهم حول ولا قوة في العراق، فقد خرجت الامور من تحت السيطرة ـ ليتحولوا وتحت جنح الظلام ـ كالخفافيش ـ نحو سوريا وكوردها بمؤامرة خبيثة ، سوريا التي ظل النظام البائد في العراق يعاديها طيلة مدة حكمه المستبد ولسان حال هؤلاء الأيتام يقول ليكن من بعد ربيبنا البائد الطوفان ولتفتح أبواب على الكل.
تعلن صافرة الحكم في الملعب البلدي بالقامشلي(الملعب الذي حمل اسم شهداء الثاني عشر من آذار لاحقا)عن بد المباراة بين فريق الفتوة ـ وجمهوره الذي يتملكه وبحكم الجغرافية وصلات القربى والعاطفة الجمعية وغريزة القطيع مشاعر الحزن والأسى لما آلت اليه الأوضاع في جواره العراقي ـ وبين فريق( الجهاد) ـ وجمهوره ـ الذي جله من المكون الكوردي ـ المنتعش بحكم عاطفته القومية والتاريخية ووحدة الحال بمشاعر الفرح والسعادة بما تحقق للكورد في كوردستان العراق من انتصارات ـ لم يمض من زمن المباراة إلا بضع دقائق كي يبدأ العشرات من المندسين القادمين مع جمهور الفتوة في نفث سمومهم من على مدرجات الملعب لإحداث فتنة محبوكة وكبرى بين الكورد وسلطات البلاد، فتنة تطال الكورد والدولة السورية اذ ان أصحاب هذا الفكر المريض لم يعد يستوعبون بقاء دولة في المنطقة قائمة وبخاصة سوريا، بعد أن تلاشت أحلامهم المريضة بسقوط سيدهم بدؤوا بضرب الناس على الطرف الآخر من بالحجارة والحصى وذم وقدح الرموز الكوردية وكان قد سبقهم البعض من مواليهم في التجوال في شوارع القامشلي على المركبات يرددون الشعارات المسيئة للكورد ويتوعدونهم بمستقبل مظلم ، ومع اشتداد القذف والضرب يضطر الفريق الآخر وجمهوره في الدفاع عن نفسه لتتحول مباراة كرة القدم إلى مباراة للضرب والشتم وتسارع بعض قنوات الإعلام المشبوهة في اكمال فصول الفتنة و بث أنباء كاذبة عن قتال وعراك في ملعب القامشلي ، ومؤامرة للكورد من الداخل والخارج غايتها زعزعة الأمن في البلاد، ليأتي رد الجهات الأمنية قاسيا بحماية واخرج الفتوة وجمهوره من الملعب والبدأ بإطلاق الرصاص الحي باتجاه الصدور العارية على جمهور الجهاد وسقوط قتلى وجرحى بين الجمهور المصدوم من سلطاته التي وعوضا عن القيام بواجبها في حمايته تنفث حقده بقتله بدم بارد ، ليأتي اليوم التالي ومع تشييع الشهداء و صيحات الغضب من المشيعين كرد فعل طبيعي على قتل الناس الأبرياء لتبدأ معركة اطلاق النار ضد المواطنين العزل من جديد وسقوط عدد أخر بين شهيد وجريح ليكون الرد الكوردي أسرع وتنطلق انتفاضة عارمة في كل مساحات الخارطة الكوردية وأماكن التواجد الكوردي في طول البلاد وعرضها ،ليندفع النظام بكل آلته وقوته الأمنية والعسكرية ضد الكورد المنتفضين ويتم اعتقال الكورد وبالمئات وعلى الهوية وفي كل المساحة السورية وتتحول المراكز الامنية إلى آلات تدير كل صنوف التعذيب الجسدي والنفسي ليصل الأمر إلى استشهاد العشرات تحت ألت التعذيب الأمني التي لا تهدأ، تستيقظ الحركة الكوردية من سباتهاعلى هذا الامر الجلل تلملم أطرافها كي تجاري علها الحدث الأليم والغادر في خاصرة الكورد، مرة أخرى يتحد الكورد ـ الكورد الذين لا يتحدون إلا في المصائب الكبرى ـ تحت عباءة مجموع الأحزاب الكوردية ـ لمواكبة الانتفاضة ودرأ المخاطر والبحث عن الحلول وسد الطريق امام المؤامرة الخبيثة والوقوف بحزم في وجه الساعين للإصطياد في الماء العكر ليدفع الكورد السوريين مرة اخرى في انتفاضتهم قرابين من الشهداء قربانا للإقليم الفيدرالي في كوردستان العراق ،وأمام هول الحدث واكتظاظ السجون والمراكز الأمنية بالناس وتحول العديد من المدارس والأماكن العامة إلى ثكنات للتوقيف والاعتقال كان لا بد من تشكيل لجنة قانونية تواكب صيغة مجموع الاحزاب الكوردية للدفاع عن معتقلي الانتفاضة بكل الوسائل القانونية سعيا وراء اطلاق سراحهم والتخفيف من معاناتهم ومعاناة ذويهم قدر المستطاع .
تشكلت اللجنة في نيسان 2004 و حين وقع عليٌ الاختيار لأكون عضوا في اللجنة المذكورة تغلبت مسرعا على ترددي ومخاوفي في القبول من عدمه بالقبول هذه المخاوف العائدة إلى هواجس عدة منها ربما أن عمري الزمني والمهني قد لاتؤهلني بجدارة للقيام بمهمة الدفاع عن هؤلاء اللذين حولتهم السجون والمعتقلات إلى أبطال ورموز لانتفاضة 2004 وللدفاع عن قضية عادلة ، سرعان ما اخترت القبول على المبدأ الذي علمني إياه معلمي الأول(أبي) الذي اختار طريق الكوردايتي والوقوف بوجه الظلم من نعومة أظفاره بالرغم من كونه قد تربى يتيما ووحيدا في بيئة ليست بهينة لأمثاله ـ أبي الذي أبى الا ان يضعني على هذا الطريق الشائك منذ الصغرـ مبدأ أبي الذي يقول بأنه إذا توازى لديك الخوف(أيا كان مصدره) مع الواجب في قضايا الكوردايتي والشأن العام فعليك دوما تغليب الواجب على مخاوفك ودون تردد.
بدأت اللجنة عملها ـ بعد تشكيل هيكليتها وانتخاب رئيس لها بالاجماع ـ مع ممثلي مجموع الاحزاب الكوردية للوقوف على آرائهم وتصوراتهم حول مجمل الأوضاع التي يمر بها الشعب الكوردي في سوريا، وتداعيات الانتفاضة العارمة والتنسيق معهم على الدوام وتم الاتفاق على الاجتماع الدوري للجنة كل اسبوع وكلما دعت الحاجة والضرورة .
في البداية كان من الضروري التواصل مع العشرات من الاخوة المحامين الذين أبدوا استعدادهم للدفاع عن المعتقلين ومساعدة اللجنة في عملها وكان للعديد منهم له الفضل وسبق العمل ومتابعة شؤون المعتقلين والدفاع عنهم ضمن المجال المتاح حتى قبل ان تتشكل اللجنة ، وبالفعل تم تنظيم جداول بأسماء المحامين المتطوعين ، وذلك لتوزيع العمل فيما بينهم وتوزظيع أسمائهم على الوكالات، ومن تم توثيق أسماء المعتقلين ، وأعدادهم ،وأماكن تواجدهم، وتنظيم الوكالات لكل من تم احالته إلى المحاكم ،وتصوير ملفاتهم ، والعمل على الحصول للموافقة على زياراتهم للوقوف على أوضاعهم ومطالبهم نظرا لأن الدوائر الأمنية والجهات الجنائية كانت تحرم المعتقلين من فرص توكيل محامين للدفاع عنهم أو الكشف عن أماكن تواجدهم ،لذلك تم تكليف عدد من أعضاء اللجنة بهذا العمل والسفر نحو مدينة الحسكة، والعاصمة دمشق وحلب التي شكل المحامون فيها وبالتوازي مع عمل لجنتنا وبالتنسيق معنا لجنة خاصة بهم للدفاع عن معتقلي حلب المدينة وأطرافها وبالفعل كان يتم الاتفاق على تكليف عدد من محامي اللجنة وعدد من المحامين المتطوعين كل اسبوع للسفر لأجل هذه المهام، التي كانت تتم بجدارة وشيئا فشيئا تم تنظيم وكالات لمعظم المعتقلين وتنظيم جداول باسمائهم والمحاكم التي أحيلوا اليها والتهم الموجة اليهم التي كانت تتراوح بين تجمعات وتظاهرات الشغب و مرورا بالانضمام إلى جمعيات سياسية غايتها اقتطاع جزء من سوريا وضمها إلى دولة اجنبية وليس انتهاء بهدر وحرق ممتلكات المال العام والقتل والتي كانت تتراوح العقوبات فيها بين السجن لستة أشهر وصولا إلى الأشغال الشاقة المؤبدة .
تمر أيام عصيبة من القهر والظلم والترهيب على أبناء الشعب الكوردي في سوريا، تتمادى الاجهزة الأمنية في اذلال الناس والمعتقلين ،هي تبحث عن شيء مفقود لإعلان النفير العام ضد الكورد ، صوت العقل ما زال غائبا فالذي يستبد ويعمل في الظلام يظل مهووسا وتنتابه نوبات قلق باستمرار يظن دوما بأن هناك ما يحاك ضده في ظلامه ومع مرور الأيام ويأس الأجهزة الأمنية من الوصول إلى نتيجة ومع تدخل الخيرين والاستماع إلى صوت العقل والمنطق بدأت السلطات تدرك بأن فتنة خبيثة كانت تحاك في الظلام غايتها ضرب مكونات البلاد ببعضها ، وان كل ما قيل عن مؤامرة كوردية وأيد خارجية انما كانت جزءا من فصول تلك المؤامرة النتنة ، وان رد الفعل الكوردي كان نتيجة طبيعية وانتفاضة على الظلم والإستبداد والقهر الذي طالهم لعقود وحيف على رصاص حي أطلق على أناس عزل انتفضوا بصورة سلمية ضد الظلم والطغيان.
يمضي الزمن وشيئا فشيئا تتوضح ملامح المؤامرة ويصبح النظام على قناعة تامة بأن المؤامرة كانت على الكورد وعلى الدولة السورية وكل مكوناتها، اذ أن أصحاب الفكر الظلامي والشوفيني لن يشفى غليلهم الا برؤية كل الدول وعلى رأسها سورية منهارة بعد أن تهاوى اللات والعزة الذين كانوا يعبدونه في بغداد، بدأت الأمور تتجه نحو التهدئة، عاد العشرات من المعتقلين إلى بيوتهم تم نقل أضابير بقية الموقوفين وبحجة الحفاظ على الأمن والنظام العام إلى المحكمة الميدانية بدمشق لتستقر عند القاضي الفرد العسكري الثالث بدمشق للتحقيق في الملفات واللجنة القانونية تتابع هذه الملفات عن كثب وعبر زيارات أعضائها إلى دمشق العاصمة لمتابعة الدعاوي وزيارة السجناء الذين أحيلوا بعد سجن (صيدنايا) إلى سجن (عدرا المركزي)، مع اجتماعات دورية للجنة مع مجموع الأحزاب الكوردية وذوي المعتقلين لاطمئنانهم على أوضاع أبنائهم ،ومعنوياتهم العالية ومحاولة تلبية كل طلباتهم وإبعادهم عن السماسرة الذين حاولوا دوما استغلال ملف المعتقلين وابتزاز ذويهم بوعود واهية لإطلاق سراحهم، وبعد انتهاء الاستجواب لدى القاضي التحقيق الثالث بدمشق تم احالة كافة الملفات إلى المحكمة العسكرية بدمشق ليأخذ ملف كل مدينة رقما خاصا به، ومع عبء العمل تصل اللجنة إلى قرار بتسليم ملف كل مدينة إلى محامين من ذات المدينة وذلك لتوزيع العمل ومشاركة أكبر عدد من المحامين في الدفاع عن الموقوفين وفي الجلسة الأولى للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية بدمشق يتم دعوتنا قبل الجلسة للقاء مدير ادارة القضاء العسكري (اللواء نبيل سكوتي) الذي رحب بنا أجمل ترحيب وأثنى على عملنا بالقول: ان هذا البلد بخير ما دام هناك العشرات من المحامين يقطعون كل هذه المسافات للدفاع عن أبناء بلدهم وجلدتهم ،وأعرب عن شكره لنا ولحضورنا الدوري إلى دمشق للدفاع، وتعهد بأن العدالة لا بد أن تأخذ مجراها وانه لا يرضى بأي خلل أو تدخل في عمل القضاء وانه سيتابع عمل المحكمة عن كثب في قضايا موكلينا وفي كل الجلسات ،وشيئا فشيئا تتجه الأوضاع نحو التهدئة أكثر يصدر مرسوم للعفو العام في الشهر السابع لعام2004 ليطلق سراح العشرات من موكلينا ممن اقتصرت اتهاماتهم بتظاهرات وتجمعات الشغب وذم وقدح رئيس الجمهورية وفق مرسوم العفو الصادر ، لينحصر ملفات المعتقلين بملف لمعتقلي كل مدينة أمام المحكمة العسكرية بدمشق وملف معتقلي دمشق (زورآفا)امام محكمة أمن الدولة العليا ،وملفات الأحداث الجانحين امام محكمة الأحداث الجانحين بالحسكة، وملف مختلط من كل المحافظات والمدن أمام المحكمة العسكرية ، وبعض الملفات الفردية أمام القضاء العسكري ،، ومحكمة أمن الدولة ونظل نحن في اللجنة القانونية نتابع الأوضاع عن قرب نجتمع مع كل طارئ لا نقطع الزيارات عن الموكلين ونطالب مدير السجن المركزي بعدرا بتلبية طلبات موكلينا ننقل احتياجاتهم إلى ذويهم ونقوم بتأمين الزيارات لمن يريد يتم تكليف أحدنا بإعداد مذكرات الدفاع وتقضي اللجنة عدة جلسات في مناقشتها إلى أن يتم اقرارها ويتم تسمية عدد من أعضاء اللجنة ومعهم عدد من محامي كل مدينة من المتطوعين للسفر إلى دمشق لحضور الجلسات والموكلين في السجن، ويوما بعد آخر تتكشف خيوط المؤامرة ليصرح رئيس الجمهورية ومن على قناة الجزيرة الفضائية بأن الكورد مكون اساسي من النسيج الوطني في سوريا وان كل ما تم هو شأن داخلي يتكفل السوريون بمعالجته ليقطع الطريق أمام مثيري الفتنة تتجه الاوضاع أكثر نحو الانفراج ، يطلب مدير الادارة مرة أخرى اللقاء بنا يثني مجددا على جهودنا قائلا: ان من طبيعة المجتمعات وجود المشاكل فيها وهذا لا يعيب البشرية وانما الذي يعيبها هو عدم وجود أناس لحل هذه المشاكل وبأننا وكسوريين يجب أن نكون يد واحدة لوضع حل نهائي لهذه المشكلة، خرجنا من لقائه متفائلين وعلمنا ان وراء حديثه أمر ما وانه يطالبنا بشكل غير مباشر للقيام بما يكون من شأنه وضع حد وحل نهائي لهذه القضية ، عقدنا لقاءا مع ممثلي الحركة الكوردية إلى لننقل اليها تفاصيل اللقاء، ومناقشة ما يستدعيه الحالة وبعد أخذ ورد طويل ونقاش حامي تم الاتفاق على أن تتقدم اللجنة بمذكرة الى رئيس الجمهورية للطلب منه بممارسة صلاحياته الدستورية في حفظ هذه الدعاوي وإلغاء القرارات الصادرة عن المحاكم بحق معتقلي انتفاضة 2004 وبعد نقاشات دامت عدة أيام تم اقرار المذكرة التي تضمنت الحديث عن الدور الحضاري للكورد قديما وحديثا في المنطقة وبخاصة دورهم الرائد في بناء سوريا ،وان الحكومات المتعاقبة نسفت كل أسس الشراكة الوطنية وتنكرت لحقوق الكورد وان الانتفاضة التي تلت فتنة ملعب القامشلي كانت رد فعل طبيعي على الاحتقان والمظالم التي طالت الشعب الكوردي في سوريا وان مرامي تلك الفتنة كانت ترمي الإيقاع بين الكورد والدولة، وان لرئيس الجمهورية بمقتضى صلاحياته الدستورية الحق في حفظ الدعاوي وإلغاء الاحكام الصادرة عن القضاء العسكري ومحكمة أمن الدولة ، ليتم ايصال الرسالة وبأيدي أمينة إلى رئاسة الجمهورية ليصار إلى اصدار القرار رقم 9/1229 بتاريخ30/3/2005م الذي ينص على حفظ وإلغاء جميع القرارات الصادرة على خلفية احداث القامشلي وفق ما ورد في مذكرتنا من طلبات، ليفرج عن جميع الموقوفين والمحكومين ويعودون إلى أهلهم وسط مشاعر الفرح والسعادة وتنصب خيم الاستقبال لهم في كل بلدة ومدينة هؤلاء الذين اعتقل معظمهم فقط كونهم من القومية الكوردية ، ومن أماكن تواجد عملهم، وجامعاتهم ومعظمهم شباب غض في مقتبل العمر تحولوا في السجن إلى مناضلين أبطال عن قضيتهم العادلة ،ولم تنل من عزيمتهم كل سياط الجلاد، وأيام السجن العصيبة، قررت اللجنة تهنئتهم في خيم الفرح التي نصبت لهم، وكانت الأيام والزيارات المتكررة لأعضاء اللجنة وبقية الاخوة المحامين لهم في السجن وأماكن التوقيف كفيلة بأن توجد بيننا نحن المحامين وهؤلاء الابطال وحدة حال في المعاناة والأمل بغد أفضل ،غد يسود فيه قيم العدالة والمساواة في بلد يكفل دستوره كل الحقوق القومية للشعب الكردي بلد ينتفي فيه الظلم والاستبداد ، ووحدة الحال جعلت من هؤلاء الاخوة وذويهم يستقبلوننا بأجمل أيات الترحيب ويعلنوا لكل المتواجدين بأن هؤلاء كانوا شركاء لنا في معاناتنا وان لم يكونوا مثلنا خلف القضبان وظلوا اضافة إلى كونهم محامين للدفاع عنا ظلوا رسلا لنقل احتياجاتنا ومطالبنا للحركة السياسية وذوينا على الدوام.
وبذلك طوي الملف وبقينا على العهد معهم للعمل من أجل غد أفضل والحضور كلما دعت الحاجة.
وفي النهاية و كوني أصغر عضو في اللجنة فإن عملي المتواضع لا يوازي صرخة ألم لطفل كوردي تحت سياط الجلاد في تلك الأيام القاسية ، كوني أصغر عضو في اللجنة القانونية فان عملي لا يقارن بسكرة واحدة من سكرات الموت التي تنهدها الشهيد (فرهاد) وبقية رفاقه الشهداء حين بصقوا في وجه جلاديهم حين طلب منهم أن يبصقوا على صور رموز الكورد وقادتهم ومناضليهم .
المحامي محمود عمر
( العضو الأصغر سنا في اللجنة القانونية لمعتقلي انتفاضة2004م )
ملاحظة: المادة منشورة في كتاب(من أسقط التمثال) للاستاذ الشاعر والكاتب ابراهيم اليوسف .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2817 الذي يدين الاعتداءات الإيرانية المتهورة على دول الخليج والأردن، ويطالب إيران بوقف كل ما يهدد الأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك استهداف السفن العابرة في مضيق هرمز. غير أن هذا القرار، رغم لهجته الحازمة، يكشف مرة أخرى مفارقة مؤلمة في واقع الشعوب التي لا تمتلك دولة تمثلها. فمنذ اندلاع المواجهة الأمريكية –…

ماهين شيخاني من شدة ما رأيناه في سوريا، لم نعد نخاف الواقع فقط… بل صرنا نخشى الأحلام أيضاً. لسنوات طويلة، كان شعار “يسقط النظام” يبدو واضحاً وبسيطاً. كنا نظن أن سقوط الاستبداد هو بداية الخلاص. لكن التجربة السورية علّمت المنطقة درساً قاسياً: إسقاط النظام لا يعني بالضرورة ولادة دولة عادلة، وقد يفتح الباب لفوضى أو استبداد جديد بأدوات مختلفة. هذا…

شيرزاد هواري تشهد سوريا مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهي لحظة كان يُفترض أن تدفع جميع القوى السياسية إلى مراجعة عميقة لتجاربها وأساليب عملها، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية السورية. فالتغيرات الكبرى التي تمر بها البلاد تفرض بطبيعتها إعادة النظر في الآليات التنظيمية والصيغ الحزبية التي تشكلت في ظروف سياسية مختلفة، ولم تعد قادرة على…

د. محمود عباس إذا كان الصراع في غربي كوردستان يتجاوز الخلافات الظاهرية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو، ما طبيعة هذا الصراع في جوهره؟ هل نحن أمام اختلاف سياسي طبيعي بين رؤيتين إداريتين؟ أم أمام أزمة أعمق تتعلق بالشرعية والهوية وتعريف المشروع الكوردي ذاته؟ ظاهريًا، يبدو الخلاف سياسيًا، برامج، علاقات خارجية، شكل الإدارة، طبيعة النظام، العلاقة مع القوى الإقليمية، ومستقبل…