شيرزاد هواري
تشهد سوريا مرحلة مفصلية في تاريخها السياسي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهي لحظة كان يُفترض أن تدفع جميع القوى السياسية إلى مراجعة عميقة لتجاربها وأساليب عملها، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية السورية. فالتغيرات الكبرى التي تمر بها البلاد تفرض بطبيعتها إعادة النظر في الآليات التنظيمية والصيغ الحزبية التي تشكلت في ظروف سياسية مختلفة، ولم تعد قادرة على مواكبة التحولات الجديدة أو الاستجابة لتطلعات القواعد الحزبية والجماهيرية.
لقد أصبح من غير المقبول أن تستمر بعض القيادات في إدارة الأحزاب بالعقلية ذاتها التي كرّست المركزية المفرطة والتفرد في اتخاذ القرار، وهو نهج أرهق القواعد الحزبية وأضعف روح المبادرة لدى الكوادر التنظيمية. فالحزب السياسي بطبيعته كيان حي يتطور بتطور أعضائه، ولا يمكن أن يستمر في أداء دوره إذا بقيت القيادة محصورة في دائرة ضيقة ترفض الانفتاح أو تداول المسؤوليات.
إن المرحلة الراهنة تتطلب فتح الآفاق أمام القيادات في الصفوف المتتالية، الفرعية والمنطقية، لمنحها الفرصة لتحمل مسؤولياتها التنظيمية والسياسية، وبناء شخصياتها القيادية ضمن إطار العمل الجماعي. فالحياة الحزبية السليمة تقوم على اكتشاف الكفاءات وإبرازها، وليس على إقصائها أو تهميشها. كما أن تمكين الطاقات الشابة وإشراك المرأة في مواقع القرار لم يعد خياراً تجميلياً، بل ضرورة لضمان استمرارية العمل السياسي وتجديده.
ولا يمكن تجاهل أن العديد من المؤتمرات والكونفرانسات الحزبية التي عُقدت خلال السنوات الماضية لم تنجح في معالجة الخلل التنظيمي، بل خرجت في كثير من الأحيان بنتائج عمّقت الانقسامات داخل الجسد الحزبي. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الأعضاء خطوات تعزز الوحدة الداخلية وتعيد الثقة بين القيادة والقاعدة، تحولت بعض تلك المحطات إلى عوامل إضافية لتفتيت الصفوف وتعميق الخلافات الشخصية والتنظيمية.
كما بات واضحاً لدى القواعد الجماهيرية أن بعض الممارسات داخل الأحزاب تجاوزت حدود العمل السياسي المشروع، حين تحولت المواقع التنظيمية أحياناً إلى أدوات لتحقيق مصالح شخصية أو عائلية أو مناطقية. وهذه الظاهرة، إن استمرت، لا تهدد فقط مصداقية الأحزاب، بل تقوض الثقة العامة بالعمل السياسي برمته.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات شكلية، بل مراجعة حقيقية تعيد تعريف وظيفة الحزب ودوره في المجتمع. فالأحزاب الكردية السورية مطالبة بالخروج من قوقعتها التنظيمية والانفتاح على صيغ إدارية أكثر مرونة وحداثة، تقوم على اللامركزية في إدارة التنظيمات، وتعزز المشاركة الواسعة في صنع القرار.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل عيد نوروز، بما يحمله من رمزية تاريخية وثقافية لدى الشعب الكردي، مناسبة معنوية لمراجعة الذات وفتح صفحة جديدة. صفحة تقوم على التسامح الداخلي، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، وإفساح المجال أمام جيل جديد من الكوادر القادرة على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة.
إن المستقبل السياسي في سوريا يتطلب أيضاً إطاراً قانونياً حديثاً ينظم الحياة الحزبية على أسس ديمقراطية واضحة، من خلال قانون عصري للأحزاب يضمن الشفافية وتداول المسؤوليات ويعزز المشاركة السياسية. ففي ظل مثل هذا الإطار يمكن للأحزاب أن تستعيد دورها الحقيقي كمؤسسات سياسية فاعلة تسهم في بناء الدولة والمجتمع.
إن لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب لا تتكرر كثيراً، ومن لا يملك شجاعة المراجعة والتجديد قد يجد نفسه خارج حركة التاريخ. ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تفرض على القيادات الكردية السورية أن تنصت جيداً لصوت قواعدها، وأن تدرك أن قوة الأحزاب لا تقاس بصلابة هياكلها التنظيمية فقط، بل بقدرتها على التجدد، والاعتراف بالأخطاء، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر عدلاً وفاعلية في العمل السياسي.