شادي حاجي
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يعود الصمت حياداً، بل يتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ. وتصبح الكلمة مسؤولية أخلاقية لا يجوز التهرب منها. واليوم، في ظل الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي يعيشها الشعب الكردي في سوريا، تبرز حقيقة قاسية لا يمكن تجاهلها أو التستر عليها: هناك انتهاكات خطيرة للحريات والحقوق الإنسانية تُرتكب في مناطق الإدارة الذاتية، ولم يعد السكوت عنها خياراً مقبولاً.
لقد بدأت تتكسر تدريجياً حالة الخوف والصمت التي خيمت طويلاً على المجتمع . فشهادات الضحايا وأهالي المعتقلين، وما يتسرب من معلومات وتقارير ميدانية، تكشف صورة مقلقة لممارسات قمعية داخل مناطق الإدارة الذاتية في غرب كردستان. وتشير هذه الشهادات إلى تورط أجهزة الأمن المعروفة باسم الأسايش، إلى جانب عناصر مرتبطة بحركة جوانين شورشكر، في سلسلة من الانتهاكات التي تشمل الاعتقالات التعسفية، وخطف القاصرين والقاصرات، وملاحقة النشطاء، وقمع الأصوات المعارضة والمنتقدة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو ما يحدث داخل مراكز الاحتجاز . فالتعذيب لم يعد مجرد ادعاء أو شائعة، بل أصبح واقعاً يتحدث عنه الضحايا وعائلاتهم. وفي بعض الحالات انتهت هذه الممارسات إلى الموت تحت التعذيب.
وهنا يجب أن تُقال الحقيقة دون مواربة: الموت تحت التعذيب ليس خطأً إدارياً، ولا تجاوزاً فردياً، بل جريمة كاملة الأركان. جريمة أخلاقية وإنسانية وقانونية لا يمكن تبريرها بأي خطاب أمني أو سياسي.
إن أي سلطة تسمح بحدوث هذه الجرائم، أو تتغاضى عنها، أو تفشل في محاسبة مرتكبيها، تتحمل مسؤولية مباشرة عنها. فالمسألة لا تتعلق بحادثة معزولة، بل بنمط من الإنتهاكات والممارسات التي تهدد بتقويض ثقة المجتمع بكل مؤسساته السياسية والأمنية.
والأكثر خطورة أن هذه الانتهاكات لا تضرب الضحايا وحدهم، بل تضرب أيضاً جوهر الشعارات الطوباوية التي ترفعها الإدارة الذاتية. فلا يمكن لأي مشروع يدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية أن يستمر في ظل الاعتقالات التعسفية والتعذيب وقمع الأصوات المعارضة.
فالقضية الكردية التي قدمت آلاف التضحيات عبر عقود طويلة من النضال لا يمكن أن تُختزل في سلطة تخشى النقد أو تقمع مجتمعها. الحرية التي ناضل من أجلها الشعب الكردي في سوريا لا يمكن أن تتحول إلى شعارات بينما تُنتهك كرامة الناس في السجون.
لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات التي ترتكب هذه الانتهاكات وحدها. فهناك أيضاً مسؤولية سياسية وأخلاقية تقع على عاتق القوى الكردية الأخرى، وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي في سوريا، إضافة إلى بقية الأحزاب والتيارات السياسية.
إن الاكتفاء ببيانات إدانة عامة أو تصريحات خجولة لم يعد كافياً، بل أصبح جزءاً من المشكلة. فالمأساة التي تعيشها عائلات المعتقلين والأسرى والمختفين قسرياً ومجهولي المصير لا يمكن التعامل معها ببيانات بروتوكولية أو مواقف رمزية. المطلوب مواقف سياسية واضحة وضغط حقيقي لكشف الحقيقة ووقف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
إن التاريخ لا يرحم الصامتين، ولا يعفي المتفرجين من المسؤولية. وكل قوة سياسية تدّعي تمثيل الشعب الكردي والدفاع عن حقوقه تتحمل واجباً أخلاقياً وسياسياً في الوقوف بوضوح ضد هذه الجرائم، أياً كانت الجهة التي ترتكبها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة سياسية هو أن تتحول تدريجياً إلى نسخة أخرى من الأنظمة التي قام الشعب أصلاً لمقاومتها . فإن مواجهة هذه الانتهاكات لا تعني الانجرار إلى العنف أو الفوضى. فالعنف لن يحقق العدالة، بل سيقود إلى مزيد من الانقسام والتدمير. الطريق الأكثر قوة وتأثيراً هو النضال المدني السلمي القائم على القانون والحقوق وكشف الحقيقة.
ولهذا فإن مسؤولية المجتمع المدني والنشطاء والضحايا أنفسهم تكمن في العمل المنظم لكشف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، عبر خطوات واضحة:
توثيق كل حالة انتهاك بدقة، مع تسجيل الشهادات والأدلة.
إيصال الملفات إلى المنظمات الحقوقية الدولية.
استخدام آليات الأمم المتحدة لفتح تحقيقات مستقلة.
كسر جدار الصمت إعلامياً عبر الصحافة ومنصات التواصل.
بناء شبكات قانونية ومدنية للدفاع عن المعتقلين والمطالبة بالمحاسبة.
إن التجارب السياسية التي تخاف من النقد وتخنق الأصوات لا يمكن أن تستمر طويلاً. أما التجارب التي تواجه أخطاءها بشجاعة فهي وحدها القادرة على الاستمرار.
إن الموت تحت التعذيب ليس تفصيلاً يمكن تجاهله في زحمة الصراعات السياسية. إنه جرح أخلاقي عميق في جسد المجتمع، وجريمة يجب أن تُسمى باسمها، ويجب أن يُحاسَب مرتكبوها.
فكرامة الإنسان ليست شعاراً سياسياً يرفع في الخطابات، بل قيمة أساسية لا يجوز التنازل عنها تحت أي ظرف.
إن الدفاع عن الحقيقة اليوم هو دفاع عن مستقبل الشعب الكردي نفسه وحقوقه القومية المشروعة. لأن المجتمعات قد تتحمل الأزمات السياسية، لكنها لا تستطيع العيش طويلاً تحت الظلم والخوف.
فالعدالة لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالصمت، بل تُصان بالشجاعة، وبالعمل الحقوقي المستمر، وبالإصرار على أن كرامة الإنسان يجب أن تبقى فوق كل سلطة وفوق كل حساب سياسي.
وإلى مستقبل أفضل.