حبال المشانق في خضم الحرب الخارجية: ما الذي يخشاه النظام الإيراني؟

نظام مير محمدي *

 

في الأيام التي يلقي فيها طيف الحرب الخارجية والأزمات الإقليمية بظلاله الثقيلة على نظام “ولاية الفقيه”، وبينما تستهدف الآلة العسكرية الأجنبية مواقع النظام لليوم الحادي والثلاثين على التوالي، وجه الملالي الحاكمون في إيران حد سيفهم ليس نحو الحدود، بل نحو القلب النابض للمجتمع الإيراني وطليعة الحرية. إن الإعدام الوحشي لأربعة من أعضاء منظمة “مجاهدي خلق” ووحدات المقاومة، يومي الإثنين ۳۰ والثلاثاء ۳۱ مارس في سجن “قزل حصار”، يكشف عن حقيقة كبرى: العدو الرئيسي والمُسقط لهذا النظام يتنفس داخل حدود إيران.

فرسان سخروا من الموت

محمد تقوي (۵۹ عاماً، من السجناء الصامدين في الثمانينيات والتسعينيات)، وأكبر دانشور كار (۶۰ عاماً)، وبابك عليبور، وبويا قبادي؛ أسماء لامعة تحولت إلى رموز للصمود في أحلك أيام تاريخ إيران. لقد ساق جلادو القضاء التابع للملالي هؤلاء الفرسان إلى المشانق بعد شهور من التعذيب الوحشي في العنبر ۲۰۹ بسجن إيفين، بتهمة “البغي” والانتماء لمنظمة مجاهدي خلق بهدف إسقاط النظام ومواجهة قوات القمع. كانت جريرتهم هي إقضاض مضاجع الظالمين، وتوفير الملاذات لرفاق دربهم، وإيقاد شعلة الأمل في قلوب الجماهير المضطهدة.

استراتيجية الرعب: غطاء لأزمة السقوط

يبرز السؤال الجوهري: لماذا يقدم نظام يعيش في ذروة أزمة وحرب خارجية على ارتكاب مثل هذه الجرائم في الداخل؟ ولماذا يستهدف تحديداً أعضاء المقاومة المنظمة؟ تكمن الإجابة في استراتيجية البقاء لدى الملالي. يحاول نظام الملالي العاجز، مستغلاً ضجيج الحرب الخارجية وفي ظل الانقطاع المستمر لشبكة الإنترنت، التغطية على أزماته الداخلية العميقة والمستعصية على الحل. إنهم يدركون تماماً أنه مع أدنى شرخ في جدار الاستبداد، سينفجر بركان الغضب الشعبي. لذا، فإن إعدام هؤلاء الرواد ليس إلا محاولة يائسة لحقن الخوف في جسد المجتمع ومنع تشكل انتفاضات جديدة. وكما أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، فإن هذه الإعدامات الإجرامية في خضم حرب خارجية هي اعتراف صريح من السلطة بأن العدو الحقيقي للنظام هو الشعب والمقاومة الإيرانية. وحيت السيدة رجوي هؤلاء الشهداء الأماجد الذين ثبتوا على عهدهم حتى الرمق الأخير، مبيّنة أن النظام يحاول تأجيل انفجار الغضب الشعبي عبر إعدام خيرة أبناء إيران، لكن هذه الدماء الطاهرة لن تزيد “الشباب الانتفاضي” ومقاتلي جيش التحرير إلا عزماً على الإطاحة بهذا البناء المتهالك وكنس هذا النظام اللاإنساني من أرض الوطن وإلى الأبد.

أصداء عالمية: فضيحة منظومة القمع

إن انعكاس هذه الجريمة على الساحة الدولية يبرهن على فشل مخططات الترهيب. فقد أعلنت السيدة ماي ساتو، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، صراحة أن الجمهورية الإسلامية تستخدم عقوبة الإعدام كأداة لقمع المعارضين السياسيين في أوج الحرب. وكانت قد طالبت سابقاً، بالتعاون مع خبراء الأمم المتحدة، بإلغاء أحكام إعدام هؤلاء الأبطال. كما حذرت منظمة العفو الدولية وغيرها من الحقوقيين مراراً من المحاكمات الجائرة وانتزاع الاعترافات تحت التعذيب. وفي السياق ذاته، وصفت شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، هذا النهج بالنمط المألوف للنظام، مؤكدة: “من الخارج حرب، ومن الداخل قمع… لقد أثبت النظام الإيراني مرة أخرى أنه في لحظة الخطر، عدوه الرئيسي ليس خارج الحدود، بل هو الشعب نفسه وكل صوت معارض في الداخل”.

حملة الصمود في وجه آلة القتل

تتسارع آلة القتل لدى الملالي في وقت تواصل فيه الحملة الملحمية “ثلاثاءات لا للإعدام” مقاومتها الفولاذية في عشرات السجون عبر البلاد، حيث وصلت لأسبوعها الرابع عشر بعد المئة. إن السجناء الصامدين، بإضرابهم عن الطعام ووقوفهم الشامخ، يتحدون منظومة القمع. وتشير التقارير الحقوقية الحية إلى أن وتيرة الإعدامات شهدت تسارعاً غير مسبوق في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الضحايا بشكل مروع. واليوم، تواجه حياة عدد آخر من السجناء السياسيين خطراً جسيماً، لا سيما مع النقل السري لبعضهم في سجن “قزل حصار” إلى أماكن مجهولة، وهو ما يمثل ناقوس خطر لكل الضمائر الحية.

وختاماً

وكما دعت قيادة المقاومة، لم تعد الإدانات اللفظية كافية. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي والأمم المتحدة وكافة الدول المدافعة عن حقوق الإنسان لاتخاذ خطوات عملية ورادعة. إن إغلاق سفارات النظام وطرد دبلوماسييه الإرهابيين وعملائه هو أقل رد يمكن تقديمه تجاه هذا التوحش المنظم. قد تخنق حبال المشانق حناجر بعض الأبطال، لكنها لن تستطيع أبداً إخماد صرخة الحرية لشعب تقوده “وحدات المقاومة”. إن بابك وبويا ومحمد وأكبر هم أساتذة الصدق والتضحية في عصرنا، والإطاحة الحتمية هي المصير الذي لا مفر منه للملالي الحاكمين.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…