حين تحكم البراغماتية المشهد السياسي

نورالدين عمر 
في عالم السياسة، لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات أبدية، بل هناك مصالح دائمة. هذا القانون الذي صاغه ساسة القرن الماضي لا يزال هو المحرك الأساسي للمشهد في الشرق الأوسط والعالم، حيث تتلاشى الخطوط الفاصلة بين المبدأ والضرورة، وتصبح المواقف مجرد “أدوات” في رقعة شطرنج معقدة.
عندما قدم الرئيس نيجيرفان بارزاني تعازيه بوفاة خامنئي، لم يكن ذلك بالضرورة انعكاسا لاتفاق أيديولوجي أو عاطفي، بل هو تجسيد دقيق للأعراف والبروتوكولات التي تفرضها الجغرافيا والسياسة، بحكم قرب وتأثر إقليم كردستان بما يجري في إيران. فالقيادة الواعية تدرك أن “لغة الجوار” تتطلب مرونة دبلوماسية تضمن نوعا من الاستقرار، حتى وإن كان مؤقتا، في ظل صراع لا أحد يستطيع التكهن بنتائجه الآن.
وعلى المقلب الآخر، نجد أن الخطاب السياسي الكردي والتركي يسير في حقل من الألغام. فدعوة عبد الله أوجلان إلى الأخوة الكردية التركية، وتحركات أردوغان للترويج لثلاثية الأخوة (الكردية، التركية، العربية)، ليست مجرد شعارات حالمة، بل هي مواقف تمليها “الواقعية السياسية”. فكلا الطرفين يدرك أن تكلفة الصدام المستمر باتت باهظة، وأن السلام والمصالح المشتركة هما المخرج الوحيد للحفاظ على البقاء والنفوذ. وكلاهما له أهداف مغايرة، لكن السياسة تحتاج إلى لغة تتضمن مواقف معينة ومرونة في لحظات شديدة الحساسية.
وفي السياق ذاته، لا يبتعد صلاح الدين ديمرتاش عن هذا النهج؛ فحين يؤكد استعداده للدفاع عن الدولة التركية ضد أي هجمة خارجية، فهو يمارس السياسة للحفاظ على المكتسبات السياسية وحماية جمهوره. وفي المقابل، يأتي تصريح دونالد ترامب الشهير “أنا أحب الكرد” كنموذج صارخ للبراغماتية الغربية؛ فهو تصريح يهدف إلى كسب ولاء حليف في لحظة معينة، وليس صكا أبيض لتحالف أبدي.
المشهد السياسي الحالي يؤكد مرة أخرى أن المواقف لا تقاس بصدق النوايا أو حرارة العواطف، بل بما تحققه من نتائج على الأرض. الجميع يمارس “فن الممكن”، حيث تصبح المبادئ الثابتة والتنظير الفلسفي بضاعة لا قيمة لها لمن يجلس في قمة الهرم. ففي نهاية المطاف، السياسة هي فن إدارة المصالح، ومن ينجح فيها ليس الأكثر صدقا بمفهومه الأخلاقي، بل الأكثر ذكاء في قراءة موازين القوى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…