صديق ملا
عانت المرأة الكردية عبر التاريخ كثيراً من الظلم واستبداد الرجل، ومن العقلية الذكورية وحُرمت قرون عدة من حق التعليم وكسب المعرفة، وفي مراحل متعاقبة.
وعلى الرغم من ذلك فقد برزت في كثير من المراحل بأدوار قيادية مميزة ولكنها عموماً بقيت مهمشة في كثير من مجالات الحياة بعيدة عن الثقافة والتطور، ولحِق بها الغبن المجتمعي أينما كانت وبخاصة في المجتمع الكردي العشائري والزراعي الريفي.
والمرأة الكردية عبر التاريخ ناضلت وبدون هوادة ضد صور العنف والعنصريةِ جميعها، وقد زخرفت التاريخ بأجمل البطولات أمثال((ليلى قاسم، روشن بدرخان، ليلى زانا……)) وكان للمرأة الكردية دور كبير في الثورة السورية كونها جزء لا يتجزأ منها، وشاركت بجانب أخواتها الثائرات ضد الظلم ونادت بالحرية بصورة عفوية لأنها كسرت حاجز وقيود العادات والتقاليد والأعراف حيث الإضطهاد والتجاهل فنادت بالحرية للمعتقلات السوريات ونددت بالممارسات الظالمة والمجحفة بحقها السورية منها والكردية…..
والمرأة الكردية أمتازت بمكانة مرموقة واحتراماً خاصاً من الرجل الكردي وهذا َما يؤكده الرحالة والمستشرقين :
“الكورد هم أكثر شعوب المنطقة تسامحا تجاه المرأة ويعطونهامكانة كبيرة ويقبلون بزعامتها”
تشكل العائلة واحدة من بين أهم مصادر القيم السائدة في المجتمع الكوردي خاصة أنها تشكل وحدة إنتاجية تقتضي التشديد على العضوية والعصبية والتعاون والالتزام الشامل بين أعضائها. ومن بين الاتجاهات القيمية التي تتصل اتصالاً مباشراً بالحياة العائلية، ما يتعلق بدور المرأة في المجتمع الكردي. وهنا يمكن أن نلحظ ظاهرتين متلازمتين، فمن ناحية وكما يؤكد (مينورسكي) فإن الكورد هم أكثر تسامحاً من جميع الشعوب الإسلامية الأخرى المجاورة تجاه المرأة، ويعني بالتسامح هنا ((حرية التعبير والرأي وإعطاء المرأة مكانتها التي تستحقها)). وبذلك فالكورد أكثر تقبلاً لحرية المرأة ومكانتها قياساً بالأقوام الإسلامية (الترك والفرس والعرب) التي بدت (لمينورسكي) غير متسامحة مع المرأة.
ويعزى هذا الاهتمام النسبي بالمرأة الكردية من قبل الرجل الكوردي وثقته العالية بها، إلى أسباب أو عوامل تاريخية ودينية وأنثروبولوجية ممتدة إلى عمق التاريخ لا مجال لتحليلها.
وفي الميدان السياسي، يؤكد الرحالة والمستشرقون وجود زعامة للمرأة الكوردية على رأس القرية والقبيلة، وتؤكد هذه الظاهرة مع قلة انتشارها، أن المجتمع الكوردي يتقبل زعامة المرأة ولا عُقَدَ له إزاء ذلك عندما تفرض المرأة وجودها بمبررات منظورة أو غير منظورة، وتعزى أسباب زعامة المرأة إلى الحروب الكثيرة التي خاضتها الأمة الكوردية ضد الغزاة، دفاعاً عن وجودها وخيرات مواطنها.
إن موضوع الانفتاح والحرية والتسامح والتعددية والديمقراطية، احتلت موقعاً أساسياً ضمن المشروع النهضوي الكوردي الذي شكل منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين، وكذلك فإن الشعور القومي الذي يلازم المرأة الكردية في سورية، ويوسع مفردات القومية الكردية ومفهومها لديها في السنوات الأخيرة والفضل في هذا كله يعود إلى التطور التكنولوجي الذي كسر دور الحدود المصطنعة وأضعفه بين الشعب الكردي في سوريا وباقي أجزاء كردستان الأخرى، أسهم كثيراً في توسيع َمعارف المرأة الكردية ومداركها، عن طريق تاريخها النضالي القومي العريق من أجل التحرر. كما كان للإعلام الكوردي ((المسموع والمقروئ وشبكة الإنترنت)) والعلاقات المباشرة بين الكرد ، والهجرة القسرية دور ٌ كبير في مخيال جمعي وجَّه المرأة الكردية توجيهاً مختلفاً عن باقي الشرائح النسائية الأخريات في سورية….
ولعبت المرأة الكردية دوراً سياسياً مهماً و كبيراً منذ انبثاق البرلمان الكوردستاني والحكومة الكوردية عام 1992، واتخذت قضية المرأة أهميتها في صلب هذا المشروع، في ضوء العلاقة العضوية بين التحول الديمقراطي وتحرير المرأة من ناحية، وبالنظر إلى الدور المؤكد للمرأة في الشأن الكوردي العام (تحريراً وتنمية ووحدة) من ناحية أخرى.
وبما أن المرأة الكوردية جزء حيوي في المجتمع، وكان لها دور فعال في انتفاضة مارس/آذار عام 1991، إذ حررت المرأة من الظلم والأشكال المختلفة من العنف والقمع والإرهاب والإهانات الممارسة ضدها من قبل الحكومة المركزية في بغداد، بذلك تولد بالمقابل مناخ من الحرية والتعبير والمطالبة بحقوقها ومشاركتها الفعالة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. حيث شكلت نسبة النساء (5.7%) في الدورة الأولى لبرلمان كردستان عام 1992، وارتفعت النسبة إلى (27%) للدورة الثانية عام 2005. وأعتقد أن هذه النسبة تشكل أعلى نسبة للنساء في منطقة الشرق الأوسط، والمرأة رئيسة لعدة لجان في البرلمان الكوردي، وأصبحت قاضية لأول مرة عام 1997.
إن مشكلة المرأة الكوردية هي مشكلة المجتمع الكوردي الذي لا يزال يناضل من أجل تقرير المصير وتثبيت كيان سياسي له أي (حقوقه القومية المشروعة ). وهذا هو الرأي السائد للرجال والنساء في المجتمع الكوردي في كافة أجزائه.
غير أنه وبرغم هذه الحقائق فإن بعض القيم والعادات المتعلقة بدور المرأة مازالت سائدة وتمثل عقبة رئيسية أمام تحسين مركزها ومشاركتها السياسية ومساهمتها خارج المنزل. ومن أمثلة القيم البارزة في هذا المجال :
■ سيطرة الرجل على المرأة، وخضوع المرأة وطاعتها طاعة مطلقة للرجل، تفضيل الذكور على الإناث، الزواج المبكر وخاصة في المجتمع الريفي، مكانها الطبيعي هو البيت رغم التغير الذي طرأ على دورها في هذا المجال خلال الحقبة الأخيرة………..