من صراع النفوذ إلى توريط الجوار

كفاح محمود

  في لحظات الانفجار الإقليمي، لا يكون الخطر في الصواريخ وحدها، بل في المنطق الذي يبرر اتساع مداها، وهذا هو أخطر ما يطلّ اليوم من مشهد الصراع بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى: إذ لم يعد التوتر محصورًا بين أطرافه المباشرين، بل أخذ يتمدد نحو مدنٍ ودولٍ لم تدخل الحرب أصلًا، فقط لأنها تضم قواعد أمريكية، أو بعثات دبلوماسية، أو مصالح غربية، أو لأنها اعترضت خطرًا مرّ في أجوائها، وهنا لا يعود السؤال عسكريًا فقط، بل أخلاقيًا وسياسيًا أيضًا: ما علاقة أربيل ودبي والرياض والكويت والمنامة بهذا الصراع أصلًا؟

   الأخطر أن جزءًا مهمًا من هذا التهديد لا يمرّ عبر الدولة الإيرانية وحدها، بل عبر فصائل وميليشيات مسلحة داخل العراق، نصبت نفسها طرفًا في الحرب، وقررت أن تزجّ البلاد ومكوناتها في معركة تتجاوز الدولة ومؤسساتها وإرادة شعبها، وبهذا لم يعد الخطر خارجيًا فقط، بل صار داخليًا أيضًا، حين تتحول أراضي العراق إلى منصات رسائل بالنار، وتصبح مدنه، وفي مقدمتها أربيل، أهدافًا محتملة في حرب لم تخترها.

   هنا يصبح التفريق واجبًا، لا بين تغيير نظامٍ سياسي وتحطيم دولةٍ فحسب، بل بين الدفاع المشروع عن النفس والاعتداء على دول وشعوب خارج منظومة الصراع المباشر، فإذا كان النزاع قائمًا بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، فأي منطق يبرر قصف مدنٍ آمنة أو استهداف مصالح داخلها بذريعة وجود قواعد أمريكية، أو بحجة أن حكوماتها اعترضت صواريخ وطائرات استخدمت أجواءها؟ إن هذا ليس دفاعًا عن النفس، بل توسيعٌ للعدوان، وتوريطٌ قسري لدول أرادت أن تبقى خارج الحريق، فحين تتحول الجغرافيا العربية إلى ساحة رسائل بالنار، لا نكون أمام ردّ مشروع، بل أمام صراع نفوذٍ مفتوح تدفع ثمنه شعوب لا ناقة لها فيه ولا جمل.

 

   ومن هنا تبدو مأساة أربيل أكثر وضوحًا، فهذه المدينة ليست رأس حربة في الحرب، بل عاصمة لإقليم لعب خلال السنوات الماضية دورًا إيجابيًا في تهدئة التوترات، وحافظ على علاقات سياسية واقتصادية متوازنة مع إيران، كما حافظ في الوقت نفسه على شراكاته الدولية، فلقد حاول إقليم كوردستان أن يكون مساحة تواصل واستقرار، لا ساحة تصفية حسابات، ومع ذلك، تتعرض عاصمته للتهديد والقصف على مدار الساعة، لا لأنها أعلنت الحرب، بل لأنها في نظر بعض الفصائل والجهات المتطرفة تمثل عنوانًا للاستقرار والانفتاح والحضور الدولي.

   إن المنطقة لا تحتاج إلى حرب تتخفى باسم الردع، ولا إلى ردع يتحول إلى معاقبة المدن الآمنة، فما يجري يكشف، في جوهره، أن الأطراف المتصارعة لا تدافع فقط عن أمنها، بل عن مناطق نفوذها، وغالبًا على حساب شعوب هذه الدول المسالمة، وبدل أن يبقى الاشتباك ضمن حدوده المعروفة، يجري توسيعه ليطال مجتمعات لا مصلحة لها فيه، ولا دور لها في إشعاله.

  والخلاصة أن الدفاع عن النفس لا يكون بتدمير أمن الآخرين، ولا بتحويل مدنٍ مستقرة إلى أهدافٍ جانبية، وما دامت أربيل ودبي والرياض والكويت والمنامة تُدفع إلى قلب هذا الحريق، فإننا لا نكون أمام حربٍ بين خصوم مباشرين، بل أمام عدوانٍ يتنكر بلباس التبرير، وحين يصبح الاستقرار نفسه جريمة، تصبح المنطقة كلها رهينة لصراعٍ لا يريد أن ينتصر بقدر ما يريد أن يعمّم الخراب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
زبير عبدالله
زبير عبدالله
29 أيام

اعتقد ان الهجوم الحالي علىالدول التي ذكرتها،قرار كان اتخذ قبل موت خمانئي، ،لذلك ماتبقى من القيادة الفارسية لايمكنهم الخر وج عنه،….سيتم تحطيم ولاية الفقيه بفضل من سمو مدينة عيلام(وبالعبرية)،وتعني الارض المر تفعة ،علىقبال الولاية الطورانية،.. وقد يكون اصعب

اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…