اكرم حسين
من الضروري النظر إلى القضية الكردية في سوريا من منظور تاريخي، سياسي، واجتماعي شامل، يتجاوز تحميل القيادات الكردية وحدها مسؤولية الوضع الراهن. لان هذا يساعدنا في فهم أعمق وأكثر موضوعية لجذور المشكلة الكردية وتعقيداتها ، ورغم أن القيادات تلعب دوراً مهماً في تشكيل مسار أي حركة سياسية أو اجتماعية من خلال قراراتها وأحياناً أخطائها، إلا أن اختزال معاناة شعب كامل في إخفاقات قياداته يعد تبسيطاً مخلاً للحقيقة، ويغفل العوامل الذاتية والموضوعية الكبرى التي أثرت في مصير الكرد في سوريا على مر العقود.
إحدى أبرز العوامل التي واجهتها الحركة الكردية في سوريا تتمثل في طبيعة الأنظمة السياسية المتعاقبة، والتي كانت تتسم بنزعة قومية عروبية عنصرية إقصائية. لم تقتصر على تهميش الوجود الكردي فقط ، بل عملت على نفيه بالكامل. من “سياسات التعريب ” ، مروراً بإحصاء 1962 الذي جرد عشرات الآلاف من الكرد من جنسيتهم السورية، ومنع اللغة الكردية ، وصولاً إلى مصادرة الأراضي وخلق حزام عربي حول المناطق الكردية، هذه السياسات كانت جزءا ًمن مشروع الدولة المنظم بهدف تفكيك النسيج الكردي والغاء هويته.
في مواجهة هذا المشروع الإقصائي، الذي كان يملك كل أدوات الدولة من جيش وأمن وإعلام، كانت الحركة الكردية تعمل في أحسن الأحوال كحركة سياسية وثقافية سرية أو شبه سرية، محرومة من أبسط حقوق التنظيم والتعبير. فهل كان من الممكن في ظل هذا الواقع القاسي أن تظهر قيادات قادرة على مواجهة نظام شمولي عنصري بمفردها؟
علاوة على ذلك، شكّل العامل الإقليمي والدولي عبئاً إضافياً على الحركة الكردية في سوريا. فلم تكن القضية الكردية في سوريا قضية محلية بحتة، بل كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالصراعات الإقليمية والدولية. حيث كانت سوريا ساحة لتنافس القوى الكبرى في زمن الحرب الباردة، ولعبت دوراً في الصراع العربي-الإسرائيلي، فضلاً عن تحالفاتها مع الاتحاد السوفيتي ثم إيران. في هذا السياق، كان الدعم الخارجي للحركة الكردية محدوداً للغاية . إضافة إلى ذلك، كان الكرد في سوريا يعانون من انقسامات مع أكراد الدول المجاورة (تركيا، العراق) . هذا الواقع الإقليمي والدولي كان خارج نطاق قدرة أي قيادة كردية في سوريا على التحكم به أو تغييره.
وهنا ، لا يمكن تجاهل عامل التجزئة الجغرافية والسياسية للكرد. فالحركة الكردية السورية كانت جزءاً من نسيج كردي يمتد عبر أربع دول، ولكل منها خصوصياتها وأولوياتها. هذا الوضع خلق تبايناً في الرؤى والأولويات، وتأثراً مباشراً بتطورات الأوضاع في العراق وتركيا بشكل خاص. فقد انعكس صعود حزب العمال الكردستاني في تركيا وتطور التجربة الكردية في العراق بعد حرب الخليج بشكل كبير على الساحة الكردية في سوريا مما أدخل الحركة الكردية في تجاذبات سياسية وأيديولوجية لم تكن دائماً في صالح الوحدة الكردية أو تحقيق رؤية استراتيجية مشتركة.
ورغم هذه التحديات الهيكلية والمعقدة، لا يمكن إغفال دور القيادات الكردية في سوريا، التي تأثرت بثقافة سياسية تراكمت عبر عقود من العمل السري والاضطهاد. قد تكون هذه القيادات قد أخفقت في مواكبة التغيرات السياسية الكبرى، أو في تجاوز خلافاتها الداخلية، أو في بناء رؤية استراتيجية قادرة على استثمار اللحظات التاريخية الحاسمة. على سبيل المثال، بعد اندلاع الثورة السورية في 2011، ظهرت انقسامات كبيرة في صفوف القيادات الكردية، مما أثر سلباً على قدرتها على توحيد صفوفها واستثمار الثورة لصالح القضية الكردية.
ورغم ذلك فان تحميل القيادات الكردية كامل المسؤولية عن المآسي التي مر بها الكرد في سوريا، هو تبسيط مخل للحقيقة. اذ إن هذه القيادات لم تكن تعمل في فراغ ، بل كانت تواجه قمعاً عنيفاّ من الدولة، وتعقيدات إقليمية ودولية، وانقسامات بنيوية داخلية ، لعبت جميعها دوراً كبيراً في تدهور الوضع ، ولذلك،فان أي محاولة لتفعيل الحركة الكردية في سوريا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه العوامل المعقدة، ولا تقتصر فقط على تحميل القيادات مسؤولية ما حدث. يجب أن ترتكز هذه المحاولة على دراسة نقدية شاملة للتاريخ، وفهم عميق للعوامل الداخلية والخارجية التي أثرت في الوضع الكردي.
إن السبيل إلى الخروج من هذه الأزمة لا يكمن في الانقلاب على القيادات فقط، بل في بناء رؤية جديدة تستند إلى الفهم الموضوعي والتاريخي لما مرت به القضية الكردية في سوريا. بحيث تعترف بالعوامل الذاتية والموضوعية التي شكلت ويلات ومآسي الماضي وتعمل على تفادي تكرارها في المستقبل.