هولير /أربيل تفرض ذاتها كعاصمة للقرار الإقليمي

شريف علي *

لم تعد أربيل مجرد عاصمة لإقليم كوردستان، بل تحوّلت إلى مركز ثقل سياسي وأمني يعاد عنده رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. هذا التحوّل لم يأتِ صدفة، بل نتيجة مزيج نادر من الاستقرار السياسي، والعمق القومي، والدور الأمني المتنامي الذي يستند إلى مرجعية كوردستانية واضحة يمثلها الرئيس مسعود بارزاني. ومع وجود ما يقرب من خمسين مليون كوردي موزعين على أربع دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي، أصبحت أربيل لاعباً لا يمكن تجاوزه في هندسة الأمن الإقليمي.

تقدّم أربيل نموذجاً سياسياً مختلفاً عن محيطها. فهي مدينة استطاعت الحفاظ على استقرارها الداخلي رغم العواصف التي ضربت العراق والمنطقة منذ عام 2003. هذا الاستقرار جعلها بيئة جاذبة للدبلوماسية الدولية، ومركزاً لعمل القنصليات والمنظمات، ومكاناً آمناً للحوارات السياسية الحساسة. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الاستقرار إلى رصيد سياسي يمنح أربيل قدرة على التأثير في ملفات تتجاوز حدودها الجغرافية، ويجعلها نقطة توازن في منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.

المرجعية الكوردستانية التي يمثلها الرئيس مسعود بارزاني لعبت دوراً محورياً في هذا التحوّل. فبارزاني ليس مجرد زعيم محلي، بل شخصية ذات تأثير قومي يمتد إلى كرد تركيا وإيران وسوريا. هذا الامتداد منح أربيل قدرة على ضبط التوازنات الكوردية-الكوردية، ومنع تحول الخلافات إلى صراعات مسلحة، إضافة إلى دوره في دعم الحوار بين القوى الكردية في سوريا وتخفيف الاستقطاب بينها.

كما مكّنت علاقات بارزاني المتوازنة مع أنقرة وطهران وواشنطن أربيل من لعب دور نقطة التوازن في منطقة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية وتحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على المناورة والحكمة في إدارة الملفات الحساسة.

ومع ظهور تنظيم داعش، برز الدور القيادي للرئيس مسعود بارزاني بشكل أوضح. فقد قاد عملية إعادة تنظيم قوات البيشمركة، وفتح خطوط تنسيق مباشرة مع التحالف الدولي، وأسّس لشراكة أمنية غير مسبوقة بين إقليم كوردستان والولايات المتحدة وأوروبا. هذا الدور لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً، إذ قدّم بارزاني نموذجاً للقيادة التي تجمع بين الحزم في مواجهة الإرهاب والقدرة على بناء تحالفات واسعة. وقد أدركت القوى الدولية أن دحر داعش لم يكن ممكناً دون الدور الكوردي، وأن أربيل أصبحت مركزاً لوجستياً واستخباراتياً لا غنى عنه في الحرب على التنظيم.

في موازاة ذلك، لعب رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني دوراً محورياً في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية. فقد تحوّل إلى واجهة دبلوماسية للإقليم، ونسّق مع العواصم الكبرى لضمان الدعم العسكري والإنساني والسياسي. كما كان له دور أساسي في تهدئة النزاع بين القوات الكوردية في سوريا وحكومة دمشق الانتقالية، عبر قنوات تواصل هادئة هدفت إلى منع انفجار صراع جديد في منطقة منهكة بالحروب. هذا الدور الوسطي جعل من أربيل نقطة توازن بين القوى الكردية في سوريا وبين الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة في الملف السوري.

الأهمية التي يراها الغرب في الدور الكوردي لم تتوقف عند حدود الحرب على داعش. فمع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ الغرب ينظر إلى الكورد باعتبارهم قوة قادرة على لعب دور استقرار في منطقة شديدة الحساسية. وقد ظهر ذلك بوضوح في تواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع القيادات الكوردستانية، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني، خلال ذروة التوتر بين واشنطن وطهران. هذا التواصل لم يكن بروتوكولياً، بل اعترافاً بأن أربيل تمتلك شبكة علاقات اجتماعية وسياسية تمتد داخل إيران نفسها، وأنها قادرة على فهم ديناميات المجتمع الكردي الإيراني الذي يشكّل جزءاً مهماً من المشهد الداخلي الإيراني.

كما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان من أبرز القادة الأوروبيين الذين أدركوا أهمية الدور الكوردي في استقرار الشرق الأوسط. فقد تواصل بشكل مباشر مع القيادة الكوردستانية، وأكد أن استقرار العراق والمنطقة لا يمكن تحقيقه دون دور فاعل لإقليم كوردستان. هذا الاهتمام الفرنسي ترافق مع اهتمام تركي أيضاً، إذ أجرى وزير الخارجية التركي اتصالات متكررة مع أربيل، إدراكاً من أن أي ترتيبات أمنية في شمال العراق وسوريا لا يمكن أن تنجح دون دور قيادي للرئيس مسعود بارزاني ورئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني.

هذا التفاعل الدولي مع أربيل يعكس حقيقة أن الإقليم أصبح مركزاً لصناعة القرار الإقليمي، وأن قيادته تمتلك القدرة على لعب دور الوسيط والموازن والضامن للاستقرار. فالرئيس مسعود بارزاني يمثّل مرجعية قومية وسياسية تمتد عبر أربع دول، بينما يمثّل الرئيس نيجيرفان بارزاني الواجهة الدبلوماسية التي تربط الإقليم بالعالم. هذا التكامل بين القيادة السياسية والعسكرية والدبلوماسية جعل من أربيل نقطة التقاء للمصالح الدولية، ومركزاً لإدارة الأزمات، وركيزة لأي مشروع يهدف إلى منع الانفجار الأمني في الشرق الأوسط.

لقد أصبح استقرار كوردستان شرطاً لاستقرار العراق وسوريا وتركيا وإيران. فأي خلل في هذا الاستقرار قد يؤدي إلى اضطراب في خطوط الطاقة، أو توتر بين القوى الكوردية، أو فراغ أمني تستفيد منه الجماعات المتطرفة. لذلك تتعامل القوى الدولية مع أمن أربيل باعتباره جزءاً من أمن المنطقة، وتحرص على دعم استقرارها السياسي والأمني.

ورغم هذا الدور المتصاعد، تواجه أربيل تحديات معقدة، أبرزها الضغوط الإقليمية ، والتوتر مع حزب العمال الكردستاني في مناطق حدودية، والتنافس الكوردي- الكوردي الذي قد يضعف وحدة القرار، إضافة إلى الاعتماد على تفاهمات مع تركيا قد تتغير بتغير الظروف السياسية. هذه التحديات تجعل دور أربيل حساساً، لكنها في الوقت نفسه تبرز أهميتها كعامل توازن لا يمكن الاستغناء عنه.

بهذا المشهد، تبدو أربيل اليوم أكثر من مجرد عاصمة لإقليم كوردستان؛ إنها مركز قرار إقليمي يستند إلى مرجعية قومية واسعة، وقوة عسكرية محترفة، وعلاقات دولية متوازنة، وعمق جغرافي–اجتماعي. هذا المزيج يجعلها لاعباً أساسياً في استقرار الشرق الأوسط، وركيزة لأي مشروع إقليمي يهدف إلى منع الانفجار الأمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

أربيل اليوم ليس نهاية لمسار سياسي وأمني طويل، بل بداية لمرحلة جديدة تتقاطع فيها طموحات الإقليم مع التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط. فمع استمرار التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، وتغيّر خرائط النفوذ في العراق وسوريا وإيران وتركيا، تبدو أربيل مرشحة للعب دور أكبر في إدارة التوازنات المقبلة، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن أو العلاقات العابرة للحدود. إن قدرة القيادة الكردستانية على الجمع بين الشرعية القومية، والمرونة الدبلوماسية، والشراكات الدولية، تجعل من أربيل مركزاً مرشحاً لصياغة جزء مهم من مستقبل المنطقة، لا مجرد متلقٍ لتقلباتها. وفي عالم يعاد تشكيله على وقع الأزمات، تبدو أربيل واحدة من المدن القليلة التي تمتلك مقومات التحول إلى قطب إقليمي فاعل في السنوات القادمة.

===== 4 / مارس / 2026 =====

* كاتب وباحث في الشؤون السياسية والإقليمية، مهتم بقضايا الشرق الأوسط والتحولات الجيوسياسية في العراق وإقليم كوردستان

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نارين عمر تتسارع الأحداث في منطقة الشّرق الأوسط وفي عموم العالم منذ الأيّام القليلة الماضية إثر الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على جمهورية إيران أدّت إلى مقتل المرشد الأعلى وعدد من القادة العسكريين الكبار. تحوز هذه الحرب بكلّ تأكيد على اهتمام شعبنا الكردي لأنّ شرقي كردستاننا تقع بشكل مباشر ضمن دائرتها، وطبقاً لذلك سيلعب قادتها وشعبنا هناك دوراً كبيراً في هذه…

نورالدين عمر في الفضاء السياسي، هناك خيط رفيع بين النقد البناء المبني على تحليل المعطيات، وبين التراشق بالاتهامات الذي قد يخدم أجندات تفرق الصف الكردي بدلاً من توحيده. إن انتقاد النهج السياسي لأي حزب هو حق وأداة لتقويم المسار، لكن إلقاء تهم العمالة والتبعية للخارج دون دليل ملموس لا يندرج تحت باب حرية الرأي، بل هو نتاج أحقاد شخصية…

شادي حاجي يشكّل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لحظة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية في المشرق. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز إقليم جنوب كردستان (العراق) بوصفه فضاءً حدودياً شديد الحساسية، تتقاطع فيه حسابات الأمن القومي الإيراني مع المصالح الأميركية وشبكات النفوذ الإقليمي. غير أن السؤال الجوهري لا يتمثل فقط في ما إذا كان الإقليم…

منظمة اوروبا للحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وبمشاركة عائلة الفقيد، تتشرف بدعوتكم للحضور والمشاركة في مراسم الذكرى السنوية الأولى على رحيل المناضل خالد كمال درويش عضو اللجنة المركزية لحزبنا وذلك على مزاره في مدينة هانوفر، الساعة الثانية من بعد ظهر يوم السبت 7 آذار 2026،على العنوان التالي: Stöckener Str. 6830419 Hannover