صلاح عمر
أثارت الرسالة الأخيرة المنسوبة إلى عبد الله أوجلان في الذكرى الأولى لنداء “السلام والمجتمع الديمقراطي” نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الكردية والتركية على حد سواء. فالرجل الذي ارتبط اسمه على مدى أربعة عقود بخيار الكفاح المسلح، يعلن اليوم بوضوح القطيعة مع تلك المرحلة، ويؤكد أن السلاح يفقد معناه حيثما تتحقق السياسة الديمقراطية، داعياً إلى الاندماج الديمقراطي ضمن إطار الجمهورية.
من حيث المبدأ، لا يمكن لأي قارئ منصف أن يعترض على تغليب السياسة على العنف، أو على البحث عن حلول قانونية ديمقراطية لقضية مزمنة استنزفت الجميع. فالشعوب بطبيعتها تميل إلى الاستقرار والسلام، ولا أحد يمكنه إنكار الكلفة الإنسانية الباهظة التي دفعها الأكراد والأتراك معاً خلال عقود الصراع.
غير أن الإشكالية لا تكمن في الدعوة إلى السلام، بل في الطريقة التي يُعاد بها توصيف الماضي. حين تُوصَف مرحلة طويلة من العمل المسلح بأنها “تمرد سلبي”، فإن ذلك يثير تساؤلات عميقة لدى شريحة واسعة من الكرد الذين رأوا في تلك المرحلة عنواناً لـ“ثورة الشرف والكرامة”. فالتغيير الاستراتيجي مشروع، لكن إعادة تعريف التاريخ تحتاج إلى شرحٍ أوسع ومصارحةٍ أعمق.
الرسالة تكرر مفردة “الديمقراطية” بوصفها الإطار الجامع للحل: مجتمع ديمقراطي، اندماج ديمقراطي، قانون ديمقراطي، جمهورية ديمقراطية. ويُفهَم من هذا الطرح أن الحل لم يعد يُصاغ بلغة التحرر القومي التقليدية، بل ضمن رؤية تقوم على المواطنة الدستورية ووحدة الدولة. هذا التحول يمثل انتقالاً واضحاً من خطاب تقرير المصير إلى خطاب إعادة تعريف العلاقة داخل الدولة القائمة.
أنصار هذا النهج يرون فيه واقعية سياسية تواكب موازين القوى الإقليمية والدولية، وتفتح نافذة لخفض التوتر وبناء مساحة قانونية للعمل السياسي. ويستندون إلى أن التحولات الكبرى في التاريخ غالباً ما تفرض مراجعات فكرية عميقة.
في المقابل، يتساءل منتقدو الرسالة: هل جرى الانتقال نتيجة قناعة استراتيجية مدروسة أم نتيجة انسداد الأفق العسكري؟ وهل تم إعداد القاعدة الاجتماعية لهذا التحول فكرياً وسياسياً؟ ثم ماذا عن مشروع “تحرير كردستان” الذي شكّل لسنوات طويلة جوهر الخطاب التعبوي؟
التحولات السياسية الكبرى لا تُقاس فقط بإعلان النيات، بل بقدرتها على الحفاظ على ثقة الجمهور الذي تحمّل التضحيات. ولذلك فإن أي انتقال من مرحلة الصراع المسلح إلى مرحلة الاندماج السياسي يحتاج إلى وضوحٍ في تحديد الأهداف النهائية، وضماناتٍ قانونية حقيقية، وإطارٍ دستوري يبدد مخاوف العودة إلى سياسات الإنكار السابقة.
يبقى السؤال المفتوح اليوم: هل يمثل هذا التحول بداية مسار جديد قادر على إنتاج حل ديمقراطي مستدام، أم أنه إعادة تموضع ضمن معادلة الدولة دون تحقيق مكاسب قومية ملموسة؟
الإجابة لن تتحدد بالكلمات وحدها، بل بمدى انعكاسها على الواقع القانوني والسياسي، وبقدرة هذا الطرح على ترجمة مفهوم “الديمقراطية” إلى حقوق دستورية واضحة تحظى باعتراف فعلي وتطبيق عملي.
فالتاريخ في منطقتنا لا يرحم الشعارات، بل يختبرها بميزان النتائج.