د. محمود عباس
في مقاربة الصراع الدائر حول إيران، من الضروري التمييز بين ما ترجّحه الاستراتيجية الأمريكية فعليًا، وبين السيناريوهات القصوى التي قد تُطرح إذا تعثرت مسارات الاحتواء. فالتاريخ السياسي لواشنطن يُظهر أنها تميل، في تعاملها مع الدول الكبرى، إلى منهج الإضعاف المنضبط والاحتواء الاقتصادي والسياسي، أكثر مما تميل إلى تفكيك مباشر يفتح أبواب فوضى غير قابلة للسيطرة. لذلك يبدو أن الخيار الأرجح أمريكيًا، في هذه المرحلة، ليس تقسيم إيران، بل تحويلها إلى دولة مركزية مُنهَكة، مقيدة اقتصاديًا، ومحدودة القدرة على التمدد الإقليمي أو التحالف الاستراتيجي مع خصوم واشنطن الكبار.
غير أن هذا الترجيح لا يلغي وجود خطط بديلة. فإذا فشلت مسارات الضغط والتفاوض، ولم تستجب طهران للشروط المطروحة، والتي قد يرتفع سقفها مع كل جولة تصعيد، فإن سيناريو “إعادة تشكيل الدولة” قد يدخل حيّز البحث الجدي، ولو بوصفه ورقة ضغط استراتيجية. في حال القبول بوقف الحرب والعودة إلى طاولة المحادثات، فإن الثمن المرجّح لن يكون سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا عميقًا، يتصل بفتح قطاع الطاقة والاستثمارات أمام نفوذ غربي واسع، ما يضع إيران عمليًا في إطار وصاية اقتصادية غير معلنة تقيد استقلال قرارها الاستراتيجي، وبها سيتم احتواء أدواتها والتحكم في مشاريعها النووية وتطورها العسكري.
من منظور واشنطن، هذا المسار يحقق عدة مكاسب، أولًا، فرض نفوذ اقتصادي طويل الأمد يصعب انتزاعه من دولة مركزية قوية؛ ثانيًا، تقليص قدرة إيران على تهديد المصالح الأمريكية في الخليج والشرق الأوسط عبر تحجيم مشروعها العابر للحدود؛ وثالثًا، إضعاف قدرتها على الاندماج العميق في تحالفات استراتيجية مع الصين وروسيا.
أما إسرائيل، فتتعامل مع المعادلة من زاوية صراعٍ إيديولوجي وأمني أكثر وضوحًا. فإيران المركزية القوية، المؤدلجة والمعادية، تبقى في نظرها تهديدًا دائمًا، حتى في فترات الهدوء. لذلك فإن إضعاف مركزيتها، أو إعادة تشكيل بنيتها السياسية، يقلّص قدرتها على تمويل وتسليح أذرعها الإقليمية، ويحوّل الخطر من تهديد استراتيجي مركزي طويل الأمد إلى تحديات متناثرة يمكن احتواؤها وإدارتها.
من هذا المنطلق، من غير المرجّح أن تكتفي إسرائيل بحدود المطالب الأمريكية الأربعة المطروحة على طاولة المفاوضات، أو بما قد يُضاف إليها لاحقًا. فمقاربتها تميل إلى دفع السقف إلى أقصاه، حتى وإن كان ذلك ينطوي على مخاطر توسيع رقعة الصراع أو تعميق الانخراط الدولي فيه، انطلاقًا من قناعة بأن تقليص التهديد البنيوي أهم من إدارة تهدئة مؤقتة.
في هذا السياق، يُطرح السؤال حول الحراك الداخلي في إيران، المعارضة بأنواعها، بما فيه توحيد خمس أحزاب كوردية في شرق كوردستان. من المبكر الجزم بأن ذلك جزء من خطة دولية محكمة، لكنه يتقاطع موضوعيًا مع لحظة إقليمية حساسة. فقد يكون تعبيرًا عن إدراك داخلي بضرورة الاستعداد لمرحلة تحولات كبرى، وقد يتلاقى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع حسابات قوى دولية تبحث عن أوراق توازن إضافية.
شرق كوردستان يملك، من حيث الجغرافيا والديمغرافيا، قدرًا من التماسك يجعله عاملًا مؤثرًا في أي معادلة تغيير محتملة. فهو لم يشهد، مقارنةً ببعض الجغرافيات الأخرى، عمليات تغيير ديمغرافي واسعة تقوّض بنيته السكانية، ما يمنحه قابلية سياسية أعلى إذا دخلت الدولة الإيرانية طور إعادة تشكيل. ومع ذلك، ينبغي الحذر من القفز إلى استنتاجات نهائية؛ فإيران ليست دولة هشة بطبيعتها، بل كيان تاريخي ذو مؤسسات عميقة وهوية مركزية قوية، ما يجعل سيناريو التفكيك الكلاسيكي أقل احتمالًا من سيناريو الإضعاف المنضبط أو إعادة الضبط البنيوي.
بناءً عليه، فإن السؤال الواقعي لم يعد، هل ستُقسَّم إيران؟ بل، أي صيغة من صيغ إعادة التوازن قد تُفرض عليها إذا استمر التصعيد؟ هل سنكون أمام دولة مركزية مُقيَّدة اقتصاديًا ومحدودة النفوذ، أم أمام إعادة توزيع داخلية للقوة، أم تحوّلٍ نحو دولة لا مركزية بنظام فيدرالي؟ أم يصل الأمر إلى سيناريو أكثر حدّة، كتفككها إلى عدة دول على غرار ما حدث في يوغسلافيا؟
ضمن هذا الطيف من الاحتمالات، تظلّ المسألة الكوردية أحد العوامل الجغرافية–السياسية التي لا يمكن تجاهلها، لكنها تبقى جزءًا من معادلة أوسع تحكمها حسابات القوى الكبرى وموازين المصالح، قبل حسابات الرغبة أو التمنّي.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/3/2026م