إيران… من الثيوقراطية إلى الديمقراطية.. المرأة الإيرانية من الشادور إلى النور

كردستان يوسف

في اللحظة التي تتهاوى فيها أسطورة أنظمة الاستبداد إلى الأبد، تشرق شمس الحرية، وهذا كان حال أنظمةٍ كثيرةٍ في الغرب والشرق، فسقط صدام حسين ومعمر القذافي ومبارك وحسن نصر الله وبشار الأسد ومادورو، وها هو الخامنئي كشخصية استبدادية آيل إلى السقوط، وسينتهي النظام الإيراني المتعجرف، نظام الملالي الاستبدادي، الذي أمسك بزمام إمبراطورية العتمة والإقصاء لخمسة عقود مضت، والذي مارس البطش والعنف والقتل ضد شعبه وضد الشعب الكردي ومارس اغتيالات عديدة بحق شخصيات قيادية كردستانية كأغتيال الشهيد قاسملو ورفيقه شرفكندي، كما أن جريمة قتله الشابة الكردية الشهيدة مهسا أميني والآلاف من بنات وشباب إيران، كردٍ منهم وفرسٍ ضمن سجل إجرامي مرعب.

هذا النظام الذي اعتلى صهوة أوهام ولاية الفقيه، بات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الزوال والسقوط، ذلك النظام الذي سحقت أجهزته الأمنية آلاف المعارضين في الشوارع والساحات العامة دون خجل أو خوف من عقاب الشعب، لكن هذا الدم لم يذهب هباء، بل شكل اللبنة الأولى في جدار الرفض والاحتجاجات الجماهيرية ضد نظام إيران الذي اعتلى السلطة منذ عام 1979 بالعمامة والخطاب الديني الإقصائي، والذي أفتى بقتل الكرد، لا لشيء سوى أنهم طالبوا بحريتهم.

إن سقوط نظام ولاية الفقيه لم يعد حلماً بعيد المنال، بل أصبح ضرورة حياتية تفرضها إرادة شعب يرفض العيش في ظل “تيوقراطية” تختزل الإنسانية في نقاب وتصادر المستقبل بحجج دينية بالية، فقد شهدت إيران مظاهرات عديدة وما زالت مستمرة، وما زال صدى شعار (“Jin, Jiyan, Azadî”) مسموعاً في كل إيران وفي كل العالم، وليس في كردستان وحدها.

إن السقوط ليس نهاية المطاف، بل هو بداية مرحلة صعبة، فمرحلة الانتقال من التيوقراطية إلى الديمقراطية مرحلة حساسة، محفوفة بصراعات قادمة، ويقع العبء الأكبر في المرحلة الانتقالية على عاتق الشعوب الإيرانية المؤمنة بالتحرر، كما تقع المسؤولية على المرأة الإيرانية والكردية خاصة، كونها كانت وما تزال رقماً صعباً في معادلة التغيير.

لكن كيف ستتحرر المرأة الإيرانية من ركام هذه العقود؟ كيف ستتخلص من الشادور، ليس كونه مجرد زي فرض عليها، بل كرمز للخلاص من خمسين عاماً من القمع والتهميش والحرمان؟

لقد حطمت المرأة الإيرانية جدران الخوف، فالاحتجاجات الشعبية المتواصلة التي كانت على الدوام مع موعد شرارتها الأولى من كردستان إيران، وخاصة الاحتجاجات العارمة إبان استشهاد الشابة الكردية مهسا أميني على يد جلاوزة النظام الإيراني، أظهرت أن المرأة قادرة على قيادة الحراك الجماهيري وتحقيق التغيير، وعلى الرغم من القمع الوحشي الذي أودى بحياة المئات واستمرار حملات الاعتقال بحق آلاف الشباب، إلا أن الروح الثورية لم تخمد أبداً.

إن المساهمة في إسقاط النظام الإيراني تتطلب يقظة وقيادة واعية وحراكاً شعبياً وتمرداً للمؤسسة العسكرية التي تضم أبناء الشعوب الإيرانية، وعلى الجماهير استغلال الحرب الأمريكية المعلنة والموجهة ضد إيران كخطوة مهمة في ضرب بنية النظام الأمنية وذراعه العسكري وقوته الأمنية المرعبة التي طاردت المواطنين الإيرانيين حتى في أحلامهم، وهذه الحرب لن تتوقف ما دام النظام الإيراني مستمراً في الحكم، ومن هنا ينبغي الإسراع بالمقاومة والاحتجاجات ضد النظام وإسقاطه بأسرع وقت قبل أن تحرق الحرب الأخضر واليابس وأن إسقاط النظام كفيل بوقف الحرب وإنهاء شبح الموت والدمار، وبدء مرحلة جديدة ورسم خارطة طريق جديدة.

هنا تبرز مهام جسام تنتظر الشعوب الإيرانية والمرأة الإيرانية على وجه الخصوص، كالمشاركة في صياغة دستور جديد يضمن مساواة كاملة، وتجريد المؤسسة الدينية من سلطتها على مقدرات الشعوب الإيرانية بفُرسها وكردها وأذرها وعربها، يجب أن تكون المرأة في قلب عملية اتخاذ القرار لضمان عدم تكرار تجربة الإقصاء تحت أي مسمى جديد، ولإعادة بناء نسيج الأسرة الإيرانية التي مزقتها عقود من الخوف والرقابة، فأكثر من جيلين عاشا في “إمبراطورية العتمة”، وعاشا على وهم “الفضيلة” بينما كان الفساد والتناقض يعصفان بالنخبة الحاكمة، كما رأينا في حفلات زفاف أبناء المسؤولين في أفخم الفنادق بينما يعاني الشعب وطأة الحجاب الإجباري والفقر، وإن مهمة المرأة هي استعادة الحرية والكرامة في العلاقات الاجتماعية، وتربية جيل جديد على قيم المواطنة لا الخوف.

ويجب على المرأة أن تكون راوية هذه الحقبة الجديدة، وعليها توثيق جرائم الماضي، وكشف زيف رواية الملالي، وصياغة خطاب إعلامي جديد يعيد الاعتبار للإنسان، فلقد أثبتت المرأة في إيران قدرتها على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لكسر الحصار الإعلامي، رغم كل محاولات قطع الإنترنت، وهذا الدور يجب أن يتوسع ليصبح مؤسسات إعلامية مستقلة تنقل صوت إيران الجديدة إلى العالم.

ولا يمكن الحديث عن هذا التحول دون تخصيص حديث خاص عن المرأة الكردية في شرق كردستان، التي طالما حافظت على هامش من الحرية الأسرية والاجتماعية، مما جعلها تحتفظ بهوية أكثر نقاء وتماسكاً، وكانت انتفاضة الكرد ضد حكم خامنئي، والتي كانت ذروتها اغتيال مهسا أميني، دليلاً على أن الكرد يشكلون البنية الثورية الأخلاقية في الثورة الجماهيرية ضد الاستبداد السلطوي.

لقد دفعت المقاومة الكردية ثمناً باهظاً، فقد شهدت مدن كردستان، مثل سقز وسنندج حملات قمع وحشية باستخدام الحرس الثوري نفسه الذي يفترض أنه موجه لـحماية الشعب وليس لقتل أبنائها، لكن هذا القمع لم يزد الكرد إلا إصراراً. وإن المطالبة بحقوق المرأة الكردية قضية لا تنفصل عن النضال الإيراني، بل هي جزء لا يتجزأ منه. فأي ديمقراطية في إيران لا تعترف بحقوق المكونات العرقية والثقافية، وفي مقدمتها الكرد ستكون انتقاصاً من قيم الثورة.

إن النظام الإيراني آيل للسقوط، ليس فقط بفعل الضربات الخارجية، بل بفعل تعفنه الداخلي وإصرار شعبه على التحرر، لكن استمرار الحرب وشبح الفوضى يلوحان في الأفق إذا لم تتوحد الجهود، فإن ما تتطلبه المرحلة هو تشكيل جبهة جماهيرية عريضة، تجمع كل أطياف الشعب الإيراني من فرس وكرد وعرب وبلوش، وتضع على رأس أولوياتها مشروعاً وطنياً ديمقراطياً ينتشل البلاد من مستنقع التيوقراطية.

إن المرأة الإيرانية التي عملت خلال السنوات الماضية على الخروج من تحت الشادور إلى النور، قادرة على قيادة المشروع الوطني التحرري الديمقراطي، وهي التي سترسم ملامح إيران الجديدة.. إيران التي تحترم إنسانيتها، وتكفل حريتها، وتعید لها حقها في الحياة والعمل والنشاط السياسي دون وصاية. فلتكن ذكرى قاسملو ومهسا أميني وجميع الشهداء نبراساً يضيء الطريق نحو غد مشرق يليق بتاريخ وحضارة هذا الشعب العريق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في مقاربة الصراع الدائر حول إيران، من الضروري التمييز بين ما ترجّحه الاستراتيجية الأمريكية فعليًا، وبين السيناريوهات القصوى التي قد تُطرح إذا تعثرت مسارات الاحتواء. فالتاريخ السياسي لواشنطن يُظهر أنها تميل، في تعاملها مع الدول الكبرى، إلى منهج الإضعاف المنضبط والاحتواء الاقتصادي والسياسي، أكثر مما تميل إلى تفكيك مباشر يفتح أبواب فوضى غير قابلة للسيطرة. لذلك يبدو…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الوقت الذي بدأت فيه الحرب الخارجية فيما يتعلق بإيران، فإن ما يشغل الأذهان هو استبدال الدكتاتورية في إيران. وفيما يتعلق بالدكتاتورية، فإن القوى الرجعية والاستعمارية لن تسمح بوصول «البديل الديمقراطي» إلى السلطة، لأن نظام الدكتاتورية لا ينسجم مع «الحرية والديمقراطية». وحيثما توجد الحرية، فإن الشعب يرفض الدكتاتورية وينبذها بلا شك. الآن، ليس أمامنا سوى ثلاثة خيارات…

حسن برو عند التأمل في خريطة النفوذ في سوريا، يتبين أن السؤال المركزي لم يعد محصورا في: من يحكم الدولة؟ بل تطور إلى سؤال أكثر عمقا وإلحاحا: هل ما زالت هناك دولة فعلا، أم أن منطق العشائر و«الفزعات» أصبح الأداة الأساسية لإدارة الشأن العام؟ خلال سنوات الصراع، لعبت العشائر أدوارا متباينة، لكنها في كثير من الأحيان كانت أدوارا وظيفية أكثر…

مشاري الذايدي لا حديث إلا حديث الحرب اليوم مع إيران، وإلى أين ستنتهي؟! لذلك نتوقف -بعد كريم إذنكم- بعض الوقت عن الاستمرار في سلسلة «موضعٌ وموضوعٌ» التي شرعنا بها منذ بداية شهر رمضان الحالي. أياً كان حاصل الحرب الحالية من إيران وعليها، فهو سيغير وجه ووجهة منطقة الشرق الأوسط لفترات مديدة، بلا ريب. إيران ونيرانها في ديار العرب وما يعرف…