إبراهيم اليوسف
يُعدّ الكرد في- إيران- كردستان الشرقية، من أكثر الشعوب التي نالت الظلم على أيدي الأنظمة الإيرانية المعاصرة، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى المزيد من التنظير اللغوي أو التحليل السياسي، إذ تكفي العودة إلى استقراء ومعاينة بنية الدولة نفسها، خلال القرن الماضي، لفهم موقع هذا الشعب فيها. إذ إن السلطة الإيرانية، منذ تشكّلها الحديث، تعاملت مع الكرد باعتبارهم فائض جغرافيا وثقافة لا بدّ من صهرهم أو التخلص منهم، ما لم يقبلوا التبعية، في الوقت الذي دأبت الدول المتقاسمة لخريطة كردستان على اعتبار وعيهم القومي وخصوصيتهم خطراً على خرائطها المستحدثة، وليسوا شعباً كاملاً له تاريخ وهوية وحق وجودي وسياسي، لأن جزءاً من خريطة كردستان أُلحق بإيران قسراً، كي تتفاقم أحوال الكرد في هذا الجزء الكردستاني تحت نير شعب من أكثر الشعوب التصاقاً تاريخياً به، ومن أكثر الشعوب التي تشترك وتلتقي به: أرومة، وثقافة، وجغرافيا، ليمارس بحقه الإقصاء الممنهج، حيث صارت الأرض الكردية تحت وطأة القرار الفارسي، وصار الكردي مواطن الدرجة الأخير، محكوماً بمنطق الشبهة التي تلاحقه، كما حاله في الأجزاء الثلاثة الأخرى؟!
لم تأتِ ثورة مهاباد 1946 نتيجة نزوة عابرة، بل رفضاً لواقع الإلحاق القسري، وإعلاناً عن وعي كردي سياسي- مكتمل وراسخ- يسعى إلى تنظيم ذاته خارج الوصاية المركزية. فلم يبرز قائد ثورة كردستان إيران القاضي محمد “1903-1947” ورئيس جمهورية مهاباد “22 كانون الثاني 1946- كانون الأول 1946” دخيلاً على جغرافيا ليست لأجداده، ولا نتيجة طفرة تاريخية أو طموح بلا جذور، بل تجسيداً للحظة إدراك جماعي بأن العيش داخل الدولة الإيرانية لا يمكن أن يستمر من دون اعتراف متبادل. إسقاط التجربة وإعدام رمزها لم يؤدِّيا إلى محو الفكرة، إذ بقيت مهاباد جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الكردية، ودليلاً على أن المشكلة ليست في الأشخاص، ليست في تبديل: الكرافيتة باللحية، أو العكس، بل في البنية التي ترفض الشراكة.
وهنا، فإنه لا يمكن فصل الحديث عن أمريكا وإسرائيل والحرب عن مشروع الشرق الأوسط ضمن خصوصية كونه فضاء مصالح لا فضاء حقوق وقيم، لاسيما أن القوى الكبرى لا تتحرك بدافع العدالة ولا بدافع إنصاف الشعوب، وإنما وفق حسابات النفوذ وإعادة توزيع القوة، رغم أن إدراج القضية الكردية ضمن هذه الحسابات لا ينتقص من مشروعيتها، إذ إن الحق الكردي سابق على هذه الصراعات المستولدة حديثاً، ووجوده في أية معادلة إقليمية لا يحوّله إلى أداة، حتى لو وقف الفضاء العام: المحلي والدولي، على من لا يلوّح ولا يفكر إلا بمصالحه، حتى ولو شُيّدت على جماجم ودماء شعوب. ومعروف أن الحق التاريخي: كوجود وجغرافيا، لا يفقدان شرعيته بسبب مخططات ونوايا الآخرين، بل يزداد وضوحاً في أصعب اللحظات التاريخية احتداماً ومواجهات.
ولهذا فإنه، على ضوء ما يتم من حرب في إيران والمنطقة، يمكننا مقاربة وتناول السيناريوهات المترقبة والممكنة لمرحلة ما بعد علي خامنئي، من بينها ترك نظام الملالي على حاله بعد التقليم المؤقت لأظافر هذه الآلة وقلع أنيابها، من خلال تغيير الوجوه، الذي لا يعني تغييراً حقيقياً، لتكون هناك دائماً: فريسة مهددة، وساحة لصرف الأسلحة، واستنزاف لشبح معادٍ من خلال وجهة نظر أمريكا وإسرائيل. إلا أن بقاء ظلال المشانق واستمرار الإعدامات- في مثل هذه الحالة- يشيران إلى ديمومة العقل نفسه، وإن تبدّلت الأسماء، لأن الدولة التي تبني استقرارها على الخوف لا تستطيع التحول إلى دولة شراكة، مهما بدّلت خطابها أو أعادت ترتيب مؤسساتها، باعتبار أن السلطة هنا ليست شخصاً، بل منظومة ترى في الكرد خطراً دائماً يجب ضبطه لا شريكاً يجب الاعتراف به، وهو ما ينطبق على الدول المحتلة لكردستان جميعها.
كما أن عودة ابن الشاه التي يتم التحدث عنها أحياناً، من خلال اعتبارها مخرجاً من جحيم الأزمة، تعني عملياً استعادة بنية عنصرية قديمة بلباس جديد، لأن الذاكرة الكردية لا تنسى سياسات الشاه المخلوع “1919-1980” الذي حكم في الفترة ما بين “1941-1979″، ولا تنسى كيف جرى التعامل مع الكرد باعتبارهم هامشاً يجب صهره. إذ إن تبديل العمامة بالتاج لا يغيّر جوهر الإقصاء، بل يعيد إنتاجه بلغة أخرى، وهكذا يستمر الدوران داخل الحلقة نفسها.
برأيي المتواضع، هنا، أن لا حلّ فعلياً لكردستان إيران خارج أحد خيارين واضحين لا ثالث لهما، أولهما استقلال كردستان، الذي يشكّل ذروة الحق السياسي، على أساس العلاقة الندية لا التبعية مع الجوار، رغم ما يحيط بهذا الخيار من صعوبات إقليمية ودولية. بينما يتمثل الخيار الثاني في حكم ذاتي حقيقي وفق ضمانة أممية، لا مجرد حكم إداري شكلي، بما يضمن للكرد إدارة شؤونهم وحماية وجودهم ووقف آلة الإعدام التي لا تتوقف عند حد. أي إن أية صيغة- آنية ارتجالية- لا تتضمن ضمانات دولية واضحة ستبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار، إذ يتذكر الجميع كيف أن آية الله الخميني نكث بعهده مع الكرد الذين آزروا ما سُمِّي “الثورة الإسلامية” التي أدت إلى إسقاط نظام الشاه العاتي، متنكراً لوعوده، لتكون فترة ما بعد هذه الثورة امتداداً لما قبلها، من جرائم ومحن بحق الكرد.
إن كرد إيران- للحقيقة والتاريخ- شعب مقاوم، لا بالمعنى الشعاراتي، بل بالمعنى الفعلي. إن مقاومته، في جوهرها وعمقها، مقاومة إلغاء الوجود، ومقاومة الصهر، ومقاومة الخوف اليومي، بل اللحظي، المزروع في تفاصيل الحياة. ولهذا فإن مرحلة ما بعد خامنئي يجب ألا تنصرف إلى تبديل وجه بوجه، بل إلى تغيير بنية كاملة، كي تُفكَّك لصالح الاعتراف بالآخر، صاحب التاريخ والجغرافيا المسلوبين، لئلا تُعاد صياغتها- إلى إشعار آخر- لإطالة عمر الدكتاتورية والقمع والإرهاب. من هنا، يظهر الحلم الكردي، على حقيقته، مشروعاً ملحّاً لا رومانسياً، كما يُخيَّل إلى النظّارة في الشرق الأوسط والعالم، باعتباره استجابة عقلانية وردّاً وإنصافاً لشعب عانى من تاريخ طويل من الإنكار، وإن محاولة إنصافه تقع على كاهل أخوته الشركاء، لا سيما في العالم الإسلامي، فهل؟