رسالة من خلف الجدران .. حين يعاد تعريف  الاستسلام باسم السلام

خوشناف سليمان

لم تكن رسالة السيد عبد الله أوجلان الصادرة في 27 شباط/فبراير 2026 نصاً عادياً يمكن التعامل معه كبيان سياسي روتيني.
كانت. في جوهرها. لحظة فاصلة. لا في تاريخ الرجل وحده. بل في تاريخ الصراع الكردي داخل تركيا. رسالة كُتبت من خلف جدران إيمرالي. لكنها وُجّهت إلى شعبٍ بأكمله. لا إلى الدولة فقط.
منذ السطر الأول. بدا واضحاً أن اللغة تغيّرت. لم تعد لغة صراع. ولا حتى لغة تفاوض متكافئ. بل لغة مراجعة نهائية لمسارٍ كامل. السلاح. كما يقول النص. / فقد معناه /. الكفاح المسلح صار / مرحلة سلبية /. والاندماج في الجمهورية بات الأفق الوحيد الممكن. هكذا. ببساطة لغوية لافتة. جرى طيّ أربعة عقود من الدم. لا بوصفها جريمة تاريخية. بل بوصفها تجربة يجب تجاوزها.
لكن ما لا تقوله الرسالة هو ما يجعلها خطيرة.
الذاكرة التي لم تُستشر
خلف كل جملة هادئة في الرسالة. تقف ذاكرة مثقلة.
قرى أُحرقت عن بكرة أبيها.
مدن فُرغت من سكانها.
أجيال كاملة وُلدت في المنافي القسرية.
وأكثر من خمسة وأربعين ألف قتيل سقطوا في حرب غير متكافئة.
ومع ذلك. لا نجد في النص كلمة /محاسبة /. ولا / عدالة انتقالية / ولا اعتراف. لا نجد حتى لغة مطالبة واضحة. بل نقرأ حديثاً مطوّلاً عن / إحياء روح الوحدة/ و/التوافق مع الجمهورية/. كأن المشكلة لم تكن يوماً بنية دولة إنكارية. بل سوء تفاهم تاريخي طال أمده.
هنا تحديداً يبدأ التصدّع الأخلاقي في النص.
من السياسة إلى إعادة كتابة المعنى
ليست المشكلة في الدعوة إلى السياسة بديلاً عن السلاح. فهذه فكرة باتت بديهية بعد كل ما جرى. المشكلة أن الرسالة لا تنقل الصراع من العنف إلى السياسة. بل تنقل المسؤولية من الدولة إلى الضحية.
حين يكتب أوجلان أن التمرد المسلح انتهى بإرادة وممارسة أحادية. فهو لا يعلن وقف النار فقط. بل يعلن انتهاء الصراع من طرف واحد. وحين يمدح إرادة السلطة التركية. من دون أن يسمي جرائمها. فهو يمنحها شهادة حسن سلوك مجانية. صادرة باسم الضحية نفسها.
بهذا المعنى. لا تعيد الرسالة تعريف الاستراتيجية. بل تعيد تعريف الهزيمة بوصفها نضجاً سياسياً.
الواقعية. أم الواقعية المفرغة؟
قد يقول المدافعون عن الرسالة إنها قراءة واقعية لميزان القوى. وإن المنطقة لم تعد تحتمل صراعات مفتوحة. هذا صحيح جزئياً. لكن الواقعية السياسية. حين تُفصل عن الحد الأدنى من العدالة. تتحول إلى إدارة للهزيمة لا إلى حلّ للصراع.
الرسالة لا تطلب ضمانات دستورية واضحة.
لا تحدد سقفاً زمنياً للتحول الديمقراطي.
ولا تربط التخلي عن السلاح بأي التزام قانوني ملزم.
إنها تطلب من المجتمع الكردي أن يدخل مرحلة / البناء الإيجابي /. فيما لم تُهدم بعد أسس الإنكار التي قامت عليها الدولة.
الخطر الأعمق.. ما بعد الرسالة
الخطر الحقيقي في رسالة أوجلان لا يكمن في مضمونها النظري. بل في استخدامها العملي. فهي تمنح الدولة التركية أداة مثالية للقول..
/ حتى زعيم التمرد يعترف بأن السلاح كان خطأ. وأن الحل في الاندماج./
وهكذا. تتحول التضحيات إلى عبء أخلاقي على أصحابها. لا إلى دين في رقبة الدولة. ويتحول الصراع من قضية شعبٍ حرم من حقوقه. إلى نقاش ثقافي حول / العيش المشترك /.
ان السلام بلا عدالة. سلام مؤجل
هذه الرسالة لا يمكن وصفها بالخيانة. ولا تبسيطها بوصفها شجاعة. لكنها. في ميزان التاريخ. تنازل سياسي كبير بلا مقابل مكافئ.
قد تكون محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من السياسة.
لكنها. كما كُتبت. تشبه وثيقة وداع أكثر مما تشبه اتفاق سلام.
وفي النهاية. سيبقى السؤال معلقاً. لا في إيمرالي. بل في ذاكرة القرى المحروقة والبيوت المهجورة:
هل كان هذا سلاماً.
أم إعادة تعريفٍ الاستسلام بلغة أكثر هدوءاً؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في مقاربة الصراع الدائر حول إيران، من الضروري التمييز بين ما ترجّحه الاستراتيجية الأمريكية فعليًا، وبين السيناريوهات القصوى التي قد تُطرح إذا تعثرت مسارات الاحتواء. فالتاريخ السياسي لواشنطن يُظهر أنها تميل، في تعاملها مع الدول الكبرى، إلى منهج الإضعاف المنضبط والاحتواء الاقتصادي والسياسي، أكثر مما تميل إلى تفكيك مباشر يفتح أبواب فوضى غير قابلة للسيطرة. لذلك يبدو…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الوقت الذي بدأت فيه الحرب الخارجية فيما يتعلق بإيران، فإن ما يشغل الأذهان هو استبدال الدكتاتورية في إيران. وفيما يتعلق بالدكتاتورية، فإن القوى الرجعية والاستعمارية لن تسمح بوصول «البديل الديمقراطي» إلى السلطة، لأن نظام الدكتاتورية لا ينسجم مع «الحرية والديمقراطية». وحيثما توجد الحرية، فإن الشعب يرفض الدكتاتورية وينبذها بلا شك. الآن، ليس أمامنا سوى ثلاثة خيارات…

كردستان يوسف في اللحظة التي تتهاوى فيها أسطورة أنظمة الاستبداد إلى الأبد، تشرق شمس الحرية، وهذا كان حال أنظمةٍ كثيرةٍ في الغرب والشرق، فسقط صدام حسين ومعمر القذافي ومبارك وحسن نصر الله وبشار الأسد ومادورو، وها هو الخامنئي كشخصية استبدادية آيل إلى السقوط، وسينتهي النظام الإيراني المتعجرف، نظام الملالي الاستبدادي، الذي أمسك بزمام إمبراطورية العتمة والإقصاء لخمسة عقود مضت، والذي…

حسن برو عند التأمل في خريطة النفوذ في سوريا، يتبين أن السؤال المركزي لم يعد محصورا في: من يحكم الدولة؟ بل تطور إلى سؤال أكثر عمقا وإلحاحا: هل ما زالت هناك دولة فعلا، أم أن منطق العشائر و«الفزعات» أصبح الأداة الأساسية لإدارة الشأن العام؟ خلال سنوات الصراع، لعبت العشائر أدوارا متباينة، لكنها في كثير من الأحيان كانت أدوارا وظيفية أكثر…