دمشق .. مركز السلم أم ساحة الحرب ؟!

مصطفى عبد الوهاب العيسى

 

لا أزال مؤمناً بأن العالم يتجه نحو تعددية قطبية مغايرة لما عرفه في العقود الماضية ، ولا سيما في السنوات الأخيرة ، ويبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولات أعمق مع تصاعد مزاحمة الاقتصاد الآسيوي ونموِّه على حساب الاقتصاد الأمريكي ، وربما يتعزز هذا المسار في ضوء الاتفاقيات المتنامية بين الهند وأوروبا ، واستمرار نمو الاقتصاد الصيني بوتيرة ثابتة ومتسارعة .

إن انعكاس هذه المتغيرات الدولية كلها يفتح الباب أمام توقعات وتنبؤات كان يُنظر إليها في وقت قريب وقبل أسابيع قليلة بوصفها ضرباً من الخيال ، كأن تستعيد روسيا دوراً سياسياً مؤثراً — على أقل تقدير — في الشرق الأوسط ، وربما دوراً عسكرياً أيضاً ، وتأثير ذلك على سوريا التي يرى بعض من تستضيفهم القنوات الفضائية – تحت مسمى الخبراء والمحللين السياسيين – أنها باتت أقرب إلى أن تكون قاعدة أمريكية ، وأنها انسلخت سياسياً عن المعسكر الشرقي بصورة شبه كاملة .

تراجعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وخطاباتها أمام صخب الانتخابات وصعود الأحزاب الشعبوية في المنطقة ، والتي باتت تهيمن على الجزء الأكبر والفعلي من المشهد السياسي ، وأصبح يُنظر اليوم إلى الدعوات الوطنية بوصفها مسرحيات كرتونية أو أفلام رومانسية في مقابل نزعات قومية وطائفية يرى أصحابها أنها تمثل “واقعية سياسية” تحاكي نماذج غربية متقدمة ، وقد أفضى ذلك إلى أزمات ثقة عميقة ، وفجوات متسعة بين النخب السياسية والسلطات الحاكمة من جهة ، وبين الشعوب المُثقلة بالأعباء ، والساعية للحصول على الخدمات الأساسية والحد الأدنى من العيش الكريم من جهة أخرى .

في خضم هذه التحولات ، ومع تراجع تأثير منظمات كبرى مثل الأمم المتحدة وغيرها في كثير من الملفات الساخنة في دول مثل إيران والعراق وسوريا ولبنان ، تلوح في الأفق بوادر إيجابية لتجنُّب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة ، ويعود ذلك إلى بروز تكتلات اقتصادية تسعى إلى ترسيخ منطق السلم والتوازن بقيادة دول إقليمية لا ترى – ربما – في حروب الوكالة ومثيلاتها خياراً مقبولاً لتحقيق مصالحها .

في المقابل يتركز سباق الدول الكبرى على التحولات التكنولوجية ، ولا سيما في مجالات الأمن السيبراني بوصفه ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي ، فضلاً عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وغير ذلك من الأدوات التي أضحت تمثل أسلحة سياسية بالغة الفاعلية في تحقيق مكاسب استراتيجية من دون اللجوء إلى حروب عسكرية تنعكس كلفتها المادية والبشرية على جميع الأطراف المتصارعة .

تتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية أحاديث عن مشاريع اقتصادية عملاقة وعابرة للحدود ، وتشارك فيها كبرى الشركات العالمية بميزانيات هائلة وضخمة جداً ، غير أنه لم يُبصر أيَّاً منها النور فعلياً حتى الآن ، ورغم تهيئة كثير من الظروف والمعطيات الجيوسياسية لانطلاقها منذ أعوام لا تزال هذه المشاريع حبيسة التقارير والدراسات والتحليلات من دون ترجمة عملية على الأرض ، وكل ذلك يجعل الاحتمالات مفتوحة ، ويُبقي كفَّتي السلم والحرب متوازنتين نظرياً .

إنَّ المشاريع الكبرى في “الشرق الأوسط الجديد” أم في صورته التقليدية التي نعرفها تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة ، وخالية من النزاعات لعقدٍ من الزمن على الأقل ، وهذا ما يُفسِّر تريُّث الاقتصادات الكبرى وشركاتها في الشروع الفعلي بتلك الخطط لأن المنطقة لا تزال رهينة صراعات مفتوحة أو قابلة للاشتعال .

في ما يتصل بسوريا ، فإنَّ المؤشرات الكثيرة المتداولة – وآخرها الحديث عن إعادة فتح سفارات غربية وفي مقدمتها سفارة الولايات المتحدة – توحي بأنَّ أي توترات محتملة في الحسكة أو السويداء قد تبقى ضمن الشأن السوري الخاص وضمن الإطار الداخلي السوري ، ودون أن تتحول مجدداً إلى العنوان الأبرز في ملفات الشرق الأوسط .

أما في الشأن الإيراني ، فإنَّ أي تصعيد عسكري محتمل — إن عاد إلى الواجهة — قد يكون محدود النطاق ، ومن دون إحداث تغييرات جذرية في بنية النظام .

في المقابل ، فإنَّ سيناريو التغيير الشامل في إيران – وما قد يتبعه من إعادة خلط للأوراق في لبنان أو تصعيد في العراق بعد حسم رئاسة الحكومة – يُنذر بحرب استنزاف طويلة لموارد المنطقة وطاقاتها ، وتأجيل طموحات النهوض الاقتصادي والاستقرار لسنوات إضافية .

لن تكون دمشق أسوأ عواصم المنطقة للعيش ، ولن تبقى وحيدة في الخراب ، ولا منفردة في الدمار ، ولن تتحمل وحدها الحصة الأثقل من الحروب كما حدث خلال عقد ونصف .

دمشق ستحاول أن تمسك العصا من منتصفها ، ولا بُدَّ أن تستمر بسعيها إلى التوازن ، وإلى تواصل فعال مع جميع دول الإقليم ، غير أنَّها ومهما أرادت لا تستطيع أن تلعب دوراً أكبر من قدرتها الواقعية كي تفرض السلم أو تصون الاستقرار ، وللأسف قد لا يكون بوسعها أن تتجنب الحرب إن اشتعلت ، أو أن تعيش بمعزل عن آثارها وتداعياتها ، بل ستكون مضطرة ربما إلى التفاعل معها بشكل كبير .

في المشاريع الاقتصادية التي تُرسم لمستقبل ورديٍّ ، ويُقال إنه واعد ، تبدو دمشق مركزاً حيوياً لا يمكن تجاوزه ، وشريكاً أساسياً في معظم الخطط الكبرى المطروحة للمنطقة .

في السلم ، دمشق حاضرة .

وفي الحرب ، دمشق حاضرة أيضاً .

حارقاً أم دافئاً كان الربيع ؟!.. دمشق مركزه .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…